في غياب ‘الوحي’ كمرجعية ثابتة، والحاجة لبديل يفصل في الحقوق والواجبات؛ اضطر العقل البشري الغربي - بصفته المُشرع - لابتكار منظوماته الخاصة لضبط العلاقة بين الجنسين، والتي كانت بمثابة “اجتهاد بشري اضطراري” لمواجهة ظلم الكنيسة والمجتمع الإقطاعي كي لا تسود بينهم شريعة الغاب أو سلطة القوي على الضعيف.
فبدأت كحركات ‘إسعافية’ لواقع مأزوم، تناوبت فيها الموجات حتى آلت لما هي عليه اليوم؛ في صورةٍ مغايرة لمقصدها الأول.
والبشر، بطبيعتهم، يحتاجون إلى “عقد اجتماعي” يحميهم.
وإذا غابت المرجعية الغيبية، أصبح العقد البشري هو “المقدس” الذي لا يجوز المساس به لأنه الضمانة الوحيدة للبقاء والتعايش.
ومن هنا أطرح لكم -أعزائي- بسط القول بكل حياد حول حياة - المختلفين عنّـا - ونظريتهم الملحة تجاه القوانين الوضعية والتي في أبسط الأحوال قد تكلفهم الخروج بالمظاهرات في الشوارع إلى التضحية في سبيل المحافظة عليها، والتي ما انهارت.. انهارت معها حقوقهم المعيشية.
انبثاقُ الآدمية: حين أرادت الروحُ ذمَّتَها
النسوية - الموجة الأولى : ولدت من رحم المعاناة القانونية ؛ حيث كانت المرأة تُعامل كقاصر لا تملك حق التأهيل مجملاً وحق التعليم أو التملك والإرث والذمة المالية .
فنادت بـ “العدالة القانونية” والاعتراف بآدمية المرأة وحقوقها المادية.
وما نادت به النسوية في النهاية كان عن “التكامل لا الصراع” وهو النقطة التي يلتقي فيها المنطق السليم مع الفطرة.
و علماء مثل جون ستيوارت ميل في كتابه “استعباد النساء” دافعوا عن هذه الحقوق من منظور عقلاني لتقويم ظلم اجتماعي واضح.
و مع منتصف القرن العشرين، ضربت الموجة الثانية حيث انتقل الخطاب من “المطالبة بالحق” إلى “نقد الفطرة”!!.
رأت الحركات الراديكالية أن البيولوجيا هي العائق الأكبر أمام الحرية، فبدأ العمل على فك الارتباط بين النوع الاجتماعي والجسد.
وبدأت مع مفكرات مثل سيمون دي بوفوار في كتابها “الجنس الآخر”.
و هنا بدأ التحول؛ لم يعد الهدف “الحق” بل “تغيير الفطرة”.
قبل هذه الموجة، كان المفهوم السائد أن المرأة امرأة بخصائصها الفطرية (عاطفة، أمومة، تكوين جسدي)، وأن هذه الخصائص هي التي تشكل دورها في الحياة.
بوفوار صاحبة المقولة الشهيرة: “المرأة لا تولد امرأة بل تصبح كذلك” أي - صناعة مجتمعية - قصدت بمعنى آخر: أن المجتمع هو الذي “يروّض” الطفلة لتكون ناعمة، مطيعة، ومهيأة للأمومة. لذا، بالنسبة لهن، الفطرة ليست حقيقة ثابتة، بل هي “قيد” فرضه الرجل ليسجن المرأة في أدوار محددة.
وهي بذرة تحريف المقاصد التي أدت إلى فك الارتباط بين البيولوجيا والهوية.
بالتالي بدأ الإنقلاب وأصبح الهدف هو التمرد على كل ما هو “طبيعي” أو “فطري”، واعتباره عدواً للحرية.
فإذا كانت الأمومة فطرة، فهن يرينها “وظيفة إجبارية” يجب التحرر منها.
استخدمت النسوية الراديكالية عدة أدوات لتحويل هذا المنظور الفلسفي إلى واقع مُعاش أولها:
- اختراع مفهوم “الجندر” (Gender):
فصلوا بين “الجنس” (الذكر والأنثى كبيولوجيا) وبين “النوع الاجتماعي” . قالوا إن جسدكِ لا يحدد هويتكِ.
وهذا الانفصال هو الذي سمح لاحقاً بظهور الأفكار التي نراها اليوم، حيث يمكن للإنسان أن يختار هويته بعيداً عن فطرته الجسدية.
- شيطنة “الأمومة” والأسرة
اعتبرت مفكرات مثل شولاميث فايرستون في كتابها “جدلية الجنس” أن الحمل والولادة هما “بربرية” وعائق أمام تحرر المرأة.
واقترحن أن التكنولوجيا يجب أن تحل محل الرحم البشري! هنا نرى بوضوح كيف تحولت الحركة من “حق المرأة في العمل” إلى “احتقار دورها الفطري كأم”.
- الندية والتصادم (تشويه التكامل):
و بدلاً من “التكامل” زرعت النسوية فكرة أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي “صراع طبقي”.
الرجل هو المستغل، والمرأة هي المضطهدة.
ولكي تتحرر، يجب أن “تتمرد” على الرجل وتستغني عنه، لا أن تتكامل معه.
-تشييء” الجسد تحت مسمى التحرر
المفارقة العجيبة هي أنهم حين دعوا لتحرير الجسد من “قيود الفطرة والأسرة”، انتهى الأمر بالمرأة كسلعة في الأسواق الرأسمالية (التعري، الإعلانات، التجارة بالجسد)، وهو ما حذر منه بعض الفلاسفة المنصفين بأن المرأة انتقلت من “سجن البيت”إلى “سجن السوق”.
والتيهُ كتيه وجودي..
هذا الانقلاب خدم المنظور الراديكالي بجعل المرأة في حالة “بحث دائم” عن ذاتها بعيداً عن مرجعيتها الفطرية.
وبما أن الفطرة قوية ولا يمكن قمعها للأبد، حدثت الفجوة العميقة في مجتمع الغرب :
- ارتفاع نسب الاكتئاب والوحدة.
- تفكك مفهوم الأسرة.
- صراع الهويات الذي لا ينتهي.
فالنسوية في هذه المرحلة لم تعد تبحث عن “مقعد للمرأة في البرلمان”، بل كانت تبحث عن “إعادة صياغة الكائن البشري” وفق رؤية مادية بحتة تلغي أي عمق روحي أو فطري.
ترانيمُ الإنصاف: صرخةُ الوجدانِ في مِحراِب العدل
و الحركة الذكورية بدأت أيضاً كحركة إصلاحية قانونية (Men’s Rights Movement):
في البداية نادت “ بالإنصاف” وحقوق الرجال وإعادة الإعتبار لدور الأب في الحضانة، والعدالة في قوانين الطلاق، والقوانين التي رأوها مجحفة في مسائل الحضانة والنفقة والواجبات الشاقة والاهتمام بالصحة النفسية للرجل بعد إعادة النظر لارتفاع نسب الانتحار بينهم نتيجة الصورة النمطية التي تمنعهم من “الضعف” أو طلب المساعدة.
لم تكن في بدايتها “عداءً للمرأة”، بل كانت “بحثاً عن العدل. فركزت على ملفات قانونية شائكة.
وفي النهاية تحولت: في العصر الحديث و الرقمي (تحديدا) إلى رد فعل عنيف (Manosphere).
فبدأت تتبنى خطاباً يقدس الهيمنة ويرى في أي تقدم للمرأة تهديداً لوجود الرجل، ودخلت في نفق “الندية التصادمية”.
النتيجة: نشوء تكتلات تتبنى “العزلة عن الجنس الآخر” أو العداء المفتوح، مما عمّق الفجوة الاجتماعية.
أو
حركة العزوف حيث تنادي بأن “يذهب الرجال في طريقهم الخاص”، أي الانعزال التمام عن المرأة والزواج والأسرة لتجنب “مخاطر القوانين”.
هناك أسماء ثقيلة أكدت أن الحركات الحديثة “شوهت” المفهوم الأصلي للعدالة مجملا لكلا الطرفين كما أن الحرب توسعت لتشمل الفطرة على وجه الخصوص.
مخاضُ الوعيِ الساكن: وما آل إليه صمتُ الروح
عبر العقود، نجد أن كلتا الحركتين بدأت ببحث مشروع عن “التوازن”، لكن بسبب إنقطاعهم عن مصدر ثابت يفسر “ماهية الإنسان” جعل العقل البشري يتخبط في الأطراف المتطرفة.
فالغرب اليوم ليس كتلة واحدة تجاه هذا الموضوع، بل يعيش صراعاً داخلياً فالأمس كان هناك إجماع أخلاقي على دعم حركات الحقوق لأن الظلم كان مادياً وملموساً (المرأة لا تملك، لا تدرس) واليوم: تظهر حركات مضادة قوية تسمى (Post-feminism) أو ما بعد النسوية، الكثير من النساء الغربيات اليوم يعلنّها صراحة : “هذه النسوية لا تمثلني”، لأنها أجبرت المرأة على التخلي عن طبيعتها الأسرية لكي تصبح “نسخة مشوهة من الرجل .
والنتيجة اليوم في مجتمعات تعيش “تخمة في الحقوق القانونية” و”مجاعة في السكينة الفطرية”، حيث تحول التكامل التاريخي إلى “مباراة صفرية” لا يربح فيها أحد.
تَرَاتِيلُ الإنصاف: نَحيبُ الفِطرَةِ في لُجّةِ المَادّية
التعالي الفكري : ومن هنا اقول - للناشطين ألا مدركين - كفّوا عن إطلاق الأحكام المعلبة على الناس؛ فليس من الإنصاف أن نُحاكم من يصارع الأمواج بمعايير من يجلس على اليابسة.
نحن - المسلمون - نمتلك ترف المرجعية المطلقة، وهم يملكون ‘اضطرارية التجربة’. فبينما ينشغل البعض بتصنيف عيوب قوانينهم، ينشغل ‘المسالمون’ منهم بحماية تلك القوانين، لأنها الضمانة الوحيدة التي تمنع انهيار حياتهم.
إن احترام صراعهم مع البقاء هو جزء من إدراكنا لفضل ما نملك.
“ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي دفعني لكتابة هذه المقالة حقيقة - نظرتي المحايدة للخلق - فبينما يضجُّ كثير من بني إسلامنا بالسوء من قولٍ وفعل تجاه أولئك الذين تاهت مراكبهم، تبقى النظرة الوحيدة والتساؤل الأهم الذي يجب أن يشغلنا:
هل نحن -بصفتنا ورثة هذه المرجعية الثابتة- نمارس مسؤوليتنا في إظهار ‘رحمة’ الوحي وسكينته التي يفتقدونها، أم أننا نكتفي بدور المتفرجين الذين يعيبون على الغريق تمسكه بالقشة؟
و مداد هذه الكلمات لا يُخبّر برسم خارطةٍ بحثية، ولا يطمحُ لاعتلاءِ منبرِ الدراساتِ الجافةِ التي تقتفي أثر الحركاتِ ومُنظريها ؛ إنما هي وقفةٌ على ضفافِ التأمل، أُرسلُ فيها نظرتي صوبَ زوايا قصيّةٍ لم تطأها أقدامُ النُقّاد بَعْد.
إنني هنا، أستعيرُ عينَ تلك (الأصوات الصغيرة) الخافتة في الزحام؛ نظرة تلك الشعوب التي لم تختر الغرق، بل أُلقيَ بها في لُجّةِ الماديّةِ بغيرِ مجاديف، فباتت تتشبثُ بنصوصِ القوانينِ تشبُّثَ الغريقِ بآخرِ أنفاسِ الحياة. إنني أنظرُ إلى أوجاعهم لا كأرقامٍ في معادلةٍ فكرية، بل كحكايا إنسانٍ تاهت بوصلة فطرته، فلم يجد غير (العقد البشري) ملاذاً يقيهِ شتات الانهيار؛ وهي زاويةٌ لا يدركُ أبعادها إلا من اعتادَ الإنصاتَ لآهاتِ الخلقِ بعينِ الإنصافِ والسكينة.
صَـاد الهاشمي
١٤٤٧/١٠/١٧هـ
٢٠٢٦/٤/٥ م



لطالما استوقفتني تلك النظرة التي يحملها البعض تجاه "المختلف"، وهي نظرة غالباً ما تضيق بها واسع الرحمة، وكأن اليقين بالحق يتطلب بالضرورة قسوةً على من حاد عن طريقه.
إن هذه التأملات ما هي إلا امتدادٌ لذلك الخيط الخفي الذي يربط بين مقالتي "اللطف الخفية في المحبة الإلهية " وبين مقالتي " مرافعة عن قلب سليم"؛ ذلك القلب الذي لا يرى في الاختلاف عداءً، بل يراه ميداناً لاختبار سعة المحبة ومدى نقاء الفطرة.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في التمسك بالمعتقد، بل في تحويل هذا المعتقد إلى جدارٍ عازلٍ يحجب عنا إنسانية الآخر.
فإذا كانت المحبة الإلهية تتسع للخلق أجمعين برزقها وعطائها، فكيف تضيق قلوبنا عمن لم يشاطرنا الرأي أو المذهب؟ إن المرافعة عن "القلب السليم" تستوجب منا أن ندرك أن السلامة لا تعني الخلو من الخطأ فحسب، بل تعني الامتلاء باللطف، والقدرة على رؤية النور في المساحات الرمادية، بعيداً عن أحكام الإقصاء وضيق الرؤية.
ختاماً، إن الإيمان الحقيقي هو الذي يمنح صاحبه طمأنينة تجعله يصافح العالم بقلبٍ رحب، مدركاً أن الحقيقة أكبر من أن يحوزها وعاء واحد، وأن جوهر القرب من الله يتجلى في القدرة على بسطِ اللطفِ لكل من يمشي على هذه الأرض.
قراءة عميقة وتشريح دقيق لمآلات الفكر المادي عندما يصطدم بالفطرة.
المقال يناقش موضوع مهم من زاوية مهمه جدا ؛
الانتقال من حركات إسعافية تطالب بالعدالة القانونية إلى أيديولوجيات تسعى لإعادة صياغة الكائن البشري وتفكيك الأسرة هو الذي خلق هذه المباراة الصفرية التي لا يربح فيها أحد.
تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة من "التكامل البشري" إلى الصراع الطبقي،
حوّل البيوت من سكن إلى ساحات معارك وجفاف روحي.
مقال ممتاز يستحق التأمل والتوسع.