مِشكاةُ النُّور.. وبشائر السُّـميّي
. لـا إله إلا اللـه محمدٌ رسول الله | عن الأصل الواحد خلف التشظي البشري
في أعالي جبال “إبٍّ”، حيثُ يـنسجُ الضبابُ أكفانهُ حولَ قممِ “بعدان”، ويغسلُ المطرُ بـطهرِهِ أوديةَ “خُبان”، أقامَ فتىً يُدعى (يَسْلم)؛ فتىً يقرأُ الأرضَ من تـجاعيدَها ويُبصر، قـلبهُ يـميلُ حيثُ يـميلُ الـظلُّ المستقر.
لـم يكن يَسْلمُ غريباً عن الـمدينة، فقد تـنفسَ هـواءها وأتمَّ بـينَ جُـدرانها عُـلومهُ حتى تـخرَّج، لـكنَّ نـداءً في داخلهِ كانَ أصدقَ من ضجيجِ الـبشر. ودَّعَ حـضنَ والـديهِ وطَـوى بوقار بـساطَ الـتمدنِ ، لـيرتمي في أحـضانِ جَـدّيهِ الـلذينِ اتخذا مقاما من خَـضارِ الـيمن.
بـينَ مـواسمِ الـذَرِي وسـاعاتِ الـحَصادِ ، كانَ يُـسائلُ نـفسهُ يسلم، بـمنطقِ الـحكيمِ وقـانونِ الـفطرة. تارةً حينَ يـهبطُ لـيملأَ الـدلاءَ، فـينكبّ من جوف سرّه عن أسرهِ سـؤاله ، وتارةً إذا آوى إلى الـبيتِ فـضاقَ بـهِ الـجدارُ فـسارعَ لـلخلاء.
يـجلسُ بـينَ الـوديانِ يـتفكر، أو يـصعدُ الـجبالَ يـتذكر.
كلُّ مـا تـبدّى لـبصيرتهِ كانَ يَـدفعُ بـهِ نـحوَ قـرارٍ مكين، مـشكاةٌ تَـسكنُ صـدرهُ وتُـنيرُ عُـتمةَ حَـيرته الدفين : مـاذا لـو كانت (لا إله إلا الله) عهدٌ قديم! مـرقوماً في أفـئدةِ الخلاقِ لا تبدّل؟.
سُـؤالٌ تـخرجُ حـروفهُ كـأنها نـبعٌ لـم يَـتكدر، أو كأنها حـقيقةٌ كُـبرى غـابت خـلفَ حُـجبِ نسيانِ بـني آدم.
أدركَ أنَّ الـبقاءَ لن يريه السؤال حـيثُ يسـئل،فـقرَّرَ أن يـكونَ هو الـجواب.. ويـرحل.
في إحدى ليالِ أسرار الجَنان الحكيمة، وفي سكون ساعات الليل الأخيرة، خرج يَسْلمُ من غرفته والسكينةُ، خُـطاه تسبق.
تصوْب جَدّيه يُعلِم بما عليه الفؤاد قر:
”يا جَدّاي، إنّي مغادر.. إلى أبعد بقاع الأراضين عني ثم أقرب؛ أتبصّرُ كيف أن (لا إله إلا الله) حقيقةٌ يعرفها كلُّ إنسانٍ ويؤمن، وأنَّ كلَّ مَن على أرض الله يقيم برسوله الأخير بشّر.”
ما طال اعتراضُ جَدّيه، بل جاء القبولُ مؤيد، لِما نكبَّ من سرّه عَلم.
تقدّم إليه جَدّهُ، ويده على كتف يَسْلمُ، وقال وصيةً تحفر في “مرصده” أبد:
إلى مَراحِ الأرضِ يا بنيّ أَقْبِل ، وكُن على يقينٍ بأنَّ الخَلْقَ كُلّه يسمع.. وتفقّه؛ فلا ليس كلُّ ما سمعتَ عنه تصدح.
فانطلق…
لترسو به أولى محطات رحلته في بلاد الفرس ، عند مدينة “يزْد”؛ في ديانة الزرادشتية حيث الصمتُ يلفُّ الأفق، والبيوتُ تلتحفُ لون الصحاري والشفق.
هناك، حيث تقف “آتشكده” (بيت النار) شامخةً بهدو، دخل ابن اليماني بتوقر يراقب، بعينين حذقتين ويبحث.. أين وحدة الإلـه من فعلهم؟
رأى القوم في ثيابهم البيضاء “السدرة”، يربطون أحزمتهم المقدسة “الكستي” كأنهم يربطون أرواحهم بميثاقٍ وعهد.
رآهم يعقدون الخيط مراتٍ خمس ، في صلواتهم التي تنفث ظاهرها بالشرك والوثن، وتُثير في نفس الموحد الوجد؛ أهم يقدسون المادة، أم يعبدون الحبل والمسد؟
لم يجد أصناماً يُسجد لها، بل وجد خُشوعاً أمام شعلةٍ لا تنطفئ، تراقص لهيبها خلف الزجاج كأنها حارسٌ للزمن خَشِع، آتش بهرام” (نار النصر) في نطقهم مجتمع.
رأى المصلين يولّون وجوههم شطر ذلك النور المتقد، بيقينهم أن الطهارة في مواجهة الظلام المُستبد.
توقف يَـسْلم طويلاً أمام “براج الصمت” المرتفع، في فكر فلسفتهم يتفكر، والتي تأنف أن تُدنس الأرض أو الماء بـ “الفناء” والعدم، مشرعين أن تحلق الأجساد في حواصل الطير نحو السماء المنفتح.
رأى في ذلك غلوّاً يورث الريب، فخشي أن النور في المادة قد حُبس.
وعند باب معبدهم، وبينما كان أحد المصلين بالخروج يهمُّ، استوقفه يَـسْلم بصوته الرخيم المتزن، ويده تلمس طرف “مرصده” المخبأ في جيبه و أسَر:
يا صاحبَ النور.. أتسمعُ لغريبٍ أتعبهُ السفر؟ رأيتكم تولون وجوهكم صوب هذا اللهب، وتشدون خصوركم بعهود الصلاح كما عنكم يعترف.. فهل أنتم تعبدون ما تحرسون؟ أم أنَّ وراء هذا الدخان رباً لا تحويه نارٌ ولا يحدهُ ممر؟
نظر إليه سـادنُ النار بتعجبٍ من هيبة ما سأل، فرسم يَـسْلم ابتسامةً هادئة وأكمل:
أنا السُّـمَيّي يَـسْلم.. جئتُ من جبالٍ توحد الله بالسليقة، وأردتُ أن أعرف: هل هذا اللهب (إلهكم) بالحقيقة؟
أجابه الرجل بوقار من لمس نبضه الصدق:
خذ هذه عنا يا ابن قومك حقيقة، نارنا مجرد بوصلةٍ تدلُّ على واحدٍ بالطبيعة؛ الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له رفيقة.
ما النورُ إلا قبسٌ من “أهورامزدا” أحد، وما نارنا إلا قبلةٌ من مادة، وربُّك وربُّنا تنزه عن النار واللهب.
نحنُ (أهلُ النورِ الفقيد) في جوهر العقيدة، فكر سليم، قول كريم، عمل بالحق مستقيم نهج فريقنا، نبينا زرداشيت وانتهى بنا في كتبنا عليمة (سوشيانت) الذي بالعالمين رحيمة.
وفي زبورِنا (زند) خبرٍ قديمِ، عن رجلٍ من العربِ يخرجُ بالحقِّ اليقينِ. يُحطمُ الأوثان، ويُذلُّ كِـبرَ الفرس حتى يـشعَّ الـنورُ ويَـصعد.
يُسمى في نصّنا (أستفت ايرت)، وفي لساننا هو (أحمد) إرتجف لها قلبُ يَسْلم وقالها مُسرّا، بذكرهِ الخُلقُ يرفع.
أتبع إبن النور قوله، نحنُ نحرسُ الرمز المصور، وننتظرُه ذاك المتمَم، ليحررَ النورَ من سجنِ اللهبِ المحتدم.
قَـبْلَ أن يَطويه بساطَ النسيان ، فتحَ يَسْلمُ مَرصدهُ، وبـقلمٍ لا يَعرفُ التزييفَ سَـطَر:
الـواحِدِ في الـمادّةِ بأسمائِهِ: (النُّور، والحقّ، والحيّ)؛ جَوهرٌ قديمٌ حُبِسَ في لهيبِ “يَزد”، بانتظارِ النورِ المُتمِّم
أشهدُ بـعدَ التَّفكر و النَّظرِ ، أنَّ نـارَ الـمجوسِ ما كانت لـهم رَبّـاً يُـذكَر، بـل هي رَمزٌ لـنورٍ قـديمٍ بـأمرِ اللهِ يـُسجَر.
رأيتُهم يـحرسونَ الـلهبَ مـخافةَ الـظلمة، ويـنتظرونَ (سوشيانت) لـيُتمَّ لـهم الـنـعمة.
إنَّ الـتوحيدَ في (يزد) قد غـرقَ في لُـجّةِ الـمادة، وحُـبسَ الـأول خـلفَ حُـجبِ الـعبادة؛ فـصارَ الـمخلوقُ سِـتراً لـلخالق، والـدخانُ مَـسلكاً لـلـحقائق.
لـكنَّ الـيقينَ الذي لا يـتبدل، أنَّ (أحمدَ) في زبـورهم مَـرسومٌ كـالـفجرِ الـمُـسترسل؛ نبيٌّ يَـكسرُ القُـيود، ويُـعيدُ لـلواحدِ الـحقِّ صِـدقَ الـسجود وهي حقيقةٌ زلزلت أركاني العميق.
خـرجتُ من فارسَ وفي جـعبتي بـرهان: أنَّ الـبشارةَ تـسبقُ الأديان، وأنَّ نـورَ مكةَ قد أضاءَ في قـلبِ (يزد) قـبلَ الأوان.
ومع أولِ صَباحاتِ اليومِ الجديد، جَلَسَ يَسْلمُ على طرفِ فَرْشهِ المَديد، هاهو الآن يلمسُ وجهَ الحقيقةِ عند البعيد، ويتحسسُ بـأصابعهِ ملمسَ اليقينِ بَعدَ الشكِّ والرِّيب.
لم يكن صَباحاً عادياً؛ بل كان إيذاناً بانقضاءِ مَقامِ “النور” لتبدأَ رِحلةُ العبور.
بوقارهِ نهض الفتى ، يَشُدُّ وِثاقَ مِتاعهِ بـقوة، وكأنهُ يَشُدُّ بـذلكَ حَبْلِ عَزيمتَه لِـجَوبِ الفَيافي والمَهامِه.
أحكمَ رَبْطَ مَرصدهِ في مَوضعهِ الحَصين، وألقى نَظرةً أخيرةً على نـوافذِ “يزد” التي بَدأتْ تَعكسُ خُيوطَ الشمسِ البـاكر، فتَراءى لهُ لَهيبُ “آتش بهرام” بـعيداً، ليس كـإلهٍ يُعبد، بـل كـوداعٍ يُسرد.
حَمَلَ خرْجهُ على كَتفه واستعد، فمَشى بـخُطىً واثقةٍ نَـحوَ بـوابةِ المَدينةِ ، حيثُ تنتظرُ القوافلُ السائرةُ نـحوَ المَرافئ.
كانت رَائحةُ البَحرِ البعيدِ تُناديه، وأحلامُ السندِ والـهندِ تَرسمُ غابات البان ومعابد الكهان.
وَدّعَ “أهلَ النورِ الفقيد” بـابتسامةٍ وحنين، ومَضى يَسمع أهل الأرضَ صدقا، بـقلبٍ يَمـانيٍّ عزيز، وعقلٍ لا يهدأُ حتى يَسـطُرَ المَقامَ الأكبر.
بَعدَ ليـالٍ طوالٍ من عناقِ الملحِ والموج، ترجَّلَ يَـسْلمُ على شواطئِ الهند، فتىً حنطيُّ البشرةِ كـسنابلِ القمح، نـحيلُ الجسدِ كـغصنِ بـانٍ نـحتتْهُ وعورةُ الـجبل.
مَشى بـخطاهُ الـودودةِ التي تُصافحُ الأرض، يجرُّ فوطتَهُ الـيمانيةَ بصمت ويـعتصب بعمامتهِ تاج لـلمـراسِ والخطوة.
لم يلتفت صوب الألوان، بل يـمّمَ وجهَهُ شطرَ جـبالِ الـشمال، حيثُ صَـمتُ الـرهبانِ وهدوءُ “بـوذا” الـمُستقر.
وصَلَ فتـانا إلى معبدٍ مـنحوتٍ في صخرِ الـجبل، فـهالهُ ما رأى من جـسارةِ الـشركِ و مـحرابِ الـمـادة. تـمثالاً لـ”بـوذا” يـكسوهُ الخالصُ من الـذهبُ، عـملاقاً يـتكئُ بـجلالٍ ممتهن، بينما تـحتَ قـدميهِ تـنكسرُ نـفوسُ الـخلقِ والـرقاب تذل.
رأى رجـلاً يـعتصرُ الـبكاءُ عـينيه، يـتمرغُ في الـترابِ عـندَ أقدامِ الـحجر، ويـصرخُ بـصوتٍ مـجروح: يا مُـستنير.. اشفِ ولدي من سـقمه، خُذ مـالي وأعد لـي نـبضه ، ثـم يـمسحُ بـكفيهِ على ذهبِ الـتمثالِ ويـمررها على وجههِ بـرعشةِ الـغريق. وبـجانبهِ امـرأةٌ تـحرقُ الـبخورَ بـتوسل، وتـضعُ عِقداً من الـياسمينِ عـندَ أصـابعِ الـتمثالِ الـباردِ، تـهمسُ لـلصخرِ لـيُلقي الـحبَّ في قـلبِ زوجِـها الـجافي، كـأنَّ الـحجرَ يـملكُ تـصريفَ الـقلوب والمآقي!
تـحسسَ يَـسْلمُ مَرصدهُ بـقبضةٍ مـشتدة، بـعينيهِ الـحادتينِ يسلم وأنفهِ الـمستقيمِ نظر، آلمَهُ أن يرى الـفقرَ يـبذلُ آخـرَ قـرشٍ لـتمثالٍ لـيُطلى بـالذهب، والـمرضَ يـطلبُ الـعافيةَ من جـمادٍ أصـم.
تـقدّمَ بـصوتهِ الـرخيمِ نـحوَ راهبٍ معتزل، لعله يلقي عليه صلب قضية الدين المختلع، سـألهُ بـلهيب الـموحدِ المستمع :
يا سـاكناً في ظِلِّ هـذا الـصمت ، رأيتُ الـناسَ عـندَ أقدام بوذاهم يـبكون، ولـغيرِ الـوهابِ يـسجدون.
أتـقبـلونَ أن يُـوحد الـحجرُ من دونِ الإله؟ أم أنَّ (الـقدوسَ) عـندكم صـارَ جـسماً يُـلمسُ بـالأكف؟
أغمضَ الـراهبُ عـينيهِ بعد إذ فيه تمعن، ثـم أجـابهُ بـوزنِ الـحقيقةِ الأمثل:
خُذ هـذهِ عـنّا يا ابنَ الـيماني حـقيقة، صَـمْتُنا مـجردُ مِـعراجٍ لـواحدٍ بـالحقيقية؛ الذي تـفرّدَ بـالبقاءِ وتـنزّهَ عن الـشبيهِ والـخليقة.
مـا الـسكينةُ إلا قَـبسٌ من نـورِ الـحقِّ الـصمد، ومـا تـمثالُنا إلا قِـبلةٌ من مـادة، وربُّـكَ وربُّـنا تـنزّهَ عن الـجسم والـذهب.
نـحنُ (أهلُ الفناءِ في الـمُـطْلَق) في جـوهرِ الـعقيدة، نبينا ذو الكفل المستنير؛ نـنتظرُ في نـصوصِنا (مـايـتريا) الـذي بـالرحمةِ يُـعيدُ الـروحَ الـطريدة.
وفي كُـتبِنا (ديـفا فـادانـا) أثـرٌ قـديم، عن نـبيٍّ يـأتي بـالرحمةِ للعالمين. يُـحطمُ أصـنامَ الـنفس، ويـحررُ الـعقلَ من وَهـمِ الـسجودِ لـلطين.
في نـصوصِنا يسمى (الـرحمةَ الـمُهداة) وما تراءى لكَ ليس إلا قشوراً صماء أنست القلوبَ عن أصلَ الحقيقة.
هَـزَّ يَـسْلمُ رأسَهُ والـتفتَ لـلبـاكينَ؛ تـحتَ الـتمثالِ ناكبين، و أفضى لـسره:
يـا بـوذا - ذو الكفل - ، قد بـشّرتَ بـالرحمة الرحيمة، فـتعلّقَ أتـباعُكَ بـصورتِكَ الـحجرية، وبـذلوا لـها الـمدامعَ والـقرابين، بـينما الـرحمةُ الـحقيقيةُ جـاءت في صـورةِ (مـحمد) للعالمين، «... وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً» فعَـلّمنا أنَّ الـشفا والـحبَّ فـي يـدِ الله، لا فـي مـسحِ الـتمائمِ وذهبِ الـحجر.
ثـم مـالَ بـعروقِ يـديهِ الـبارزةِ يـسجلُ في مَـرصدهِ مَـقامَ الـذهول: عجبتُ من قومٍ يـطلبونَ الـخالقَ في الـمخلوق، ويـعبدونَ (الـسلامَ) في وجـهِ الـثبوت.
إنَّ الـشركَ لـيسَ كُـفراً بـاللهِ دائـماً، بـل هو أحياناً عـجزُ الـروحِ عن بلوغِ مَـقامِ الـتجريد، فـصنعتْ لـحنينِها رَبّاً مـن طـينٍ وحَـجرٍ وركـود.
تَـجلّا الـواحِدِ في جُـمودِ صَّخرِهم بأسـمائِهِ: (الـسَّلام، والقُدُّوس، والـباقي)؛ كَـنزٌ مـخفيٌّ تَـحتَ ذهبِ الأوثان، يـرجو انـبلاجَ الـرَّحمةِ الـمُهداة.
في آخِرِ هَمزاتِ الليل، حيثُ يَسكنُ الصَّخَبُ ويَستيقظُ الفِكْر الملتَهب، جَلسَ يَسْلمُ يُسائلُه سِتْرَ الظل: أيكونُ التوحيدُ أصلٌ مدفون في الديانات جميعا؟ أم أنَّ دِينَ فارسَ والهندِ كما يُتناقل في لُجّةِ التعددِ يَغرق؟
تحسَّسَ لِحيتَهُ بـوَقار، ونَظرَ إلى مرصدِهِ بـإمعان؛ تراءى لهُ لَهيبُ يزد يَنفي الشرك، وصَمْتُ الهندِ يَنفي الجِسمَ ، فأدركَ أنَّ القومَ استوحشوا غَيْبَ اللهِ الـمُطلق، فـنحتوا لـلخالقِ في كلِّ مـادةٍ ظِـلّاً، وحَبسوا الـواسعَ في جَسدٍ يُـلمس.
ثُمَّ التفتَ السُّـمَيّي لـحقيقةٍ أعجب! أنَّ النور “المُحمّدي” ليست حقيقية طارئة، بل الـخيطُ الذي نَظمَ حباتِ الـسنين؛ فـمحمدٌ الذي دعاه كاهنُ الـنار، وبشَّرَ به راهب الران ، هو “الـحقيقةُ الـحقّةُ” التي لازمت الـتوحيدَ منذُ الـبِدءِ والمبدأ.
عاد لمَرصدهِ الونيس:
عجبتُ لـهذا الـنورِ كيفَ سَرى! فـالتوحيدُ لا يـقومُ إلا بـهذا الـمِعراجِ الـمصطفى.
كـأنَّ الإلهَ بـثَّ في الـفِطرةِ نـوراً سَجى، وجـعلَ (مـحمداً) دليلاً تـستردُّ به الأرواحُ أصـلَها الـمـخفيَّ والـمُرتجى.
ومـا الـشركُ إلا عَـجزُ رُوحٍ أرادت الـرؤيةَ فـتوارى بـها الـمَرئيُّ في الـعَمى، بـينما الـحقيقةُ الـمحمديةُ جـاءت لـتُبصرَ بـالقلبِ مـا عـنهُ عـيونُ الـمآقي لا ترى.
استقامَ يَسْلمُ، وشَعرَ بـأنَّ رحلتَهُ لـيست مجردَ طوافٍ حولَ الأديان لإجابة عن واحدٍ سؤال، بل هي تـتبعٌ لـأثرِ ذلكَ الـنورِ الـذي لـم يـخلُ منهُ مَقام.
شَدَّ خُرجَهُ بـعزمٍ جـديد، فـاليقينُ بـأنَّ الـحقَّ واحدٌ والـبشيرَ واحدٌ جـعلَ طـريقَ الـعراقِ يـبدو في عـينيهِ أقربَ من حبلِ الوريد.
بـعدَ أن طَـوى فِجاجَ الـهند، وصَعدَ في مـراكبِ الـحنينِ نـحوَ أرضِ الـرافدين، وصَلَ السُّمَيّي إلى ضـفافِ الـنهرِ الـعظيم؛ حيثُ الـقصبُ يـميلُ مع الـريح، والـماءُ الـجاري يـحملُ أسرارَ بابلَ والـزمن الـعتيق.
انزوى الفتى بـعيداً، يـراقبُ الـمشهدَ بـعذريةِ الـتأمل، من خـلفِ كُـثبانِ الـقصب.
هـالهُ مـا تـراءى لـعيـنهِ؛ لـيسَ لـضخامةِ مَـعبدٍ، بـل لـكثافةِ الـتعلّقِ بـسائل المادة الموات.
رأى الـصابئةَ، أهل الـبشرةَ الـبيضاءَ كـقلبِ الـظهر، يـزدحمونَ في مَـوجِ دجـلة، يـنتظرون عـنصراً حَـياً يُخلصهم.
وبـينهم في الـوسط، وقـفَ كـاهنٌ (تـرميذا) بـثيابِهِ الـأبيض، يـُعمدُ شـابةً، ويـغمسُ رأسَـها طـقسياً بـمهابة، عـيناها تـرقبانِ الـنهرَ الـجاري بـهيبةٍ وصَـبابة، كـأنهُ الـعفو الغفور مَـصدرُ الـرحمةِ.
ولـم يـنتهِ الـمَشهدُ عـندَ الـتعميد؛ بـل زادَ عـجبهُ لــمظاهرَ تزيد.
فنِـسوةً يـغسلنَ الأوانـيَ والـصحونَ ، لـيسَ لنظافةٍ، بل لطلب بركة تغوص، بـحركاتٍ غـنائيةٍ وهَـمساتٍ تـدلُّ عـلى تـقديسِ الـمـاءِ، الـذي طهر الـجمادَ والـنفسَ سَـواء.
وآخـرونَ يـتمسحونَ بـالـقماشِ الأبيضِ (الـحريرِ)، الـملفوفِ حـولَ “درفـشِ” الـنورِ الـخشبي (الـصليبِ)، كـأنهُ جَـسدُ ولـيٍّ يُـرجي بـركةَ الـلمسِ والـمزار.
استقامَ فتـانا بـخطاهُ الـواثقة الـودودةِ ، واندفعَ هـذهِ الـمرةَ مُـباشرةً نـحوَ قـلبِ الـمجتمع، لـيَقتربَ من كـوخِ (الـمندي) الـمتواضع.
عـيناهُ الـيمانيتانِ تَـفيضانِ بـسؤالٍ لا يـحتملُ كـعادتهِ أن يظلَّ مضطرب. فاعتـرض قُدمه شـابٌ مـندائيٌّ لبيب، مـلامحهُ لـطيفة وعـيناهُ فـيهما لـمعةُ فِـطرةٍ تفقهت عن صُـلبِ هـذهِ الـطقوسِ من قَـبلُ كثير.
الـشابُّ إلى عـمامةِ يَسْلم نَـظر، وأدركَ الـفضولَ في وجـههِ الـمضطرب.
بـهدوء، وبـصوتٍ كـهمسِ الـقصبِ الـندي، قـالَ لـهُ:
يـا سـاكناً من غَـربِ الـبلاد، لا تَـهبْ و سل!
والـواحدُ الـحيُّ من صَـنيعكم أينَ يـقر؟ سأل
أجـابهُ الـشابُّ، كـما نَـقلهُ لـهُ (الرَّيـش أُمَّـة) من قَـبل، بـذاتِ الـوزنِ الـذي ألِفـهُ يَـسْلم، بـمفرداتٍ تَـشي بـأسرارِ الـماءِ والمنزه:
خُذ هـذهِ عـنّا يـا ابنَ الغرب حـقيقة، نَـهرُنا الـجاري آيـةُ (الـواحد) بـالصريحة؛ الـذي كـانَ ولا أيـن، وتـنـزّهَ فـي سَـرمـدِيّـتـهِ عن نـعتِ الـخلقِ و المَهيّـة.
مـا مـاؤنا إلا قَـبسٌ من فـيضِ الـحيِّ الـصمد، ومـا تـعميدُنا إلا تَـجردٌ من كَـدرِ الـمادة، وربُّـكَ وربُّـنا تَـعالى بـحياتهِ عـن الـمـاءِ والـفَـنَد .
نـحنُ (أهـلُ الـتعميدِ الأطهار) نـحفظُ الـعهد،و نرقب من مـكةَ الـنبيَّ الـمختار، تُـخبرُ كُـتبُـنا (الـكنزا ربـا) عـلى أنَّ نـبيّاً بعد يحيى يـختمُ الـزمان، وتـخضعُ لـنورهِ الأكوان، واسـمهُ فـيها (أحمط)، بـهِ تـستقيمُ الـصدور وتحيا بأصلِها الـخفيِّ الـطريد.
تـرطبت لـحيةُ يَسْلم بـرذاذِ الـنهر، وانفضّ بخطفة لـمرصدهِ بـهيبةٍ وذُهل:
يـا لـلعجب! هُـنا الـتنزيهُ قَـيّدوهُ بـالـماء، و عبدوا (الـحياةَ) في صـورةِ الـنهرِ الـجاري ونَـسوا (واهبَ الـحياة).
ثمَّ الـتفتَ لـلحقيقةِ الأعجب! رأى أنَّ الـنورَ “الـمُحمّديَّ” لازمهُ كـظِـلٍّ في كلِّ مَـقام.
وهَـمسَ فيه : أدركتُ أنَّ (مـحمداً) هـو الـرحمةُ الـمهداة، وبـدونهِ، يـتحولُ تَـوقُ الأرواحِ لـلواحدِ ، لـشركٍ يـعبدُ الـنارَ، أو يـقدسُ الـصمتَ، أو يـحبسُ الـتنزيهَ فـي مَـوجِ ماء.
فتَـجلّا الـواحِدُ فـي مَـوجِ نَـهَرِهم بأسـمائِهِ: (الـظاهِر، والـواسِع، والـبارِئ)؛ وكَـنزٌ مـخفيٌّ تَـحتَ بـياضِ الـطُّقوس، يَـرنو لـمِيـلادِ الـبُـشرى الـمُـجـتـبـاة
بـعدَ ثلاثِ لـيالٍ قضاها يَـسْلمُ في عِـراقِ الـحضارة، يـتأملُ طـهارةَ الـماءِ وكَـدرَ الـتوسل، يـمّمَ وجـهَهُ شَـطرَ مَـشرقِ الـشمس، نـحوَ بلاد التنيين، بلاد الصمت والجدران، حيثُ الـزمنُ يـجري بـميزان، والـخلقُ مَـحكومونَ بـالـوقار.
تـرجَّلَ الـسُّـمَيّي بـ (عـمامتهِ) الـباهيةِ و(فـوطتهِ) وسطَ جُـموعٍ يـنحنونَ بـزوايا حـادة، كـنصلِ سيف الأبرار ، لا يـرفعون رُؤوسَـهم إلا بـإذنِ “الـنظام”.. لـم يَـرَ هـنا تـماثيلَ لـآلـهةٍ تـُعبد، بل “مَـذابحَ خـشبيةً” فـي صـدرِ كـلِّ دار، تَـعلوها لـوحاتٌ حـمراء، نُـحتت عـليها أسـماءُ الـموتی بـالـذهبِ والـنار.
رأى رجُـلاً بـياقةٍ عـاليةٍ مـقفلة، يـنحني بـزاويةٍ حـادةٍ أمـامَ لـوحةِ “جَـدِّهِ” الـغائب، يـغرسُ أعـوادَ الـبخورِ بـخضوع، ويـضعُ كـأسَ شـايٍ وفـاكهةً لـرُوحٍ رحـلت لـدارِ الـحق، يـرجو بـرّها لـتمنحهُ الـسماءُ الـتوفيق. وبـجانبهِ صُـفوفٌ من الـتلاميذِ؛ يـنحنونَ فـي وقتٍ واحـدٍ كـأنهم آلةٌ صَـمّاء، لا يـرفعون صـوتاً ولا يَـخرقونَ نـظاماً كله بمقدار ، قد جَـعلوا من (الأدبِ) إلـهاً، ومـن (الـمراسيمِ) وثَـناً يُـطاع.
تـحسسَ يَـسْلمُ مَـرصدهُ بـأناملٍ تَـعرفُ مَـلمسَ الـحقيقة، آلمَهُ أن يرى الـرُّوحَ الـحُرّةَ تـتلاشى فـي كُـتلةِ الـنظام الغليقة، وأن يُـحصرَ (الـخالقُ الـعدل) فـي إرادةِ سُـلطانٍ أو طـاعةِ نِـظام.
قال لـه عابر قطع كنه تأمله: يـا ابنَ الـجبالِ الـبعيدة، هـذهِ الـلَّوحاتُ جُـذورُنا؛ فـالـسماءُ لا تـرضى عـن أرضٍ يـنقطعُ فـيها بـرُّ الأبناءِ لـلآباء.
عبس لقوله يسلمَ ثم تـقدَّمَ؛ نـحوَ (مـاندراينٍ) حـكيم، يـقبضُ عـلى فـرشاةِ الـحبرِ كـأنها مِـنبرُ صـلاة، وسـألهُ بـصدقِ الـموحِّدِ الـمرتحل:
يـا سـادنَ الـحكمةِ الـعتيقة، رأيتُ قـومَكَ لـلقالبِ يـخضعون، ولـسلطةِ الـبشرِ والأسـلافِ كـأنهم لـلإلهِ يـسجدون.
أتـقبلونَ أن تـحبسوا (الـحكيمَ) فـي أوراق، وأن تـجعلوا (الـمُقسطَ) رَهـينةَ نُـظمٍ وأخـلاق؟
قـال متممًـا : أنا يَـسْلمُ السُّـمَيّي..
من ذُريّةِ مَن سكنوا السحابَ في جبالِ اليمن، فصار للهِ في قلوبهم سُموّ، وللحقِّ في صدورهم مأوى.
خَرَجتُ بـ (فوطةِ) الكَدّ أسعى، و(عمامةِ) الستر أخفى، و(قلبِي) العربيِّ الذي لا يرى إله إلا الله.. في كل حي يقينا.
أطـرقَ الـحكيمُ بـهيبةٍ ثـم أجـابَ، بـصوتٍ كـحفيفِ ورقِ الأرز:
خُـذ هـذهِ عـنّا يـا ابنَ الـعربِ حـقيقة، نـظامُنا مـجردُ طـقسٍ لـتنظيمِ الـخليقة؛ للـذي تـفردَ بـالـعدلِ وتـنزّهَ عـن الـمـادةِ والـضِّيقة.
مـا مَـذابحُنا إلا جُـذورٌ لـلوفاء، ومـا مَـراسيمُنا إلا مِـرآةٌ لـنظامِ الـسماء، فربُّـكَ وربُّـنا تـنزّهَ عـن الـقالبِ والأسـماء.
نـحنُ (أهلُ الـنظامِ فـي الـسَّكينة) فـي جـوهرِ الـشريعة، نـبيُّـنا (الـمُعلمُ كـنفوشيوس) مـصلحُ الـفطرةِ الـجزيئة؛ نـنتظرُ فـي أسـرارِ كـتبِنا (الـحكيمَ الـمُنتظرَ مـن الـغرب) الـذي بـالـحقِّ يـفكُّ الأغـلالَ الـبطيئة.
وفـي صـحائفِنا الـقديمة، نَـبأٌ عـن نَـبيٍّ يـوازنُ بـينَ الـرُّوحِ والـطين، يُـحطمُ أصـنامَ الـطقوس، ويـحررُ الـعقلَ مـن وَهـمِ الـسجودِ لـلقوانين. فـي نُـصوصِنا هـو (الـبشرى الـمجتباة)، ومـا تـراءى لـكَ لـيسَ إلا رَسـمَ طـقوسٍ أنـستِ الـقلوبَ جَـلالَ الـمُـعطي والـحياة.
هَـزَّ يَـسْلمُ رأسَـهُ والـتفتَ لـلمُنحنين؛ لـسلطةِ الـقالبِ طـائعين، وأفـضى لـسره:
يـا كـنفوشيوس - الـمُعلم - ، قـد بـشّرتَ بـاستقامةِ الـميزان، فـتعلّقَ أتـباعُكَ بـصورةِ الـنظام، وبـذلوا لـها الـعمرَ والـوجدان، بـينما الـعدالةُ الـحقيقيةُ جـاءت فـي صـورةِ (مـحمد) لـلأكوان، فـعلّمنا أنَّ الـعزَّ فـي طـاعةِ الله، لا فـي الـركوعِ لـلمراسمِ وهَـيبةِ الـسلطان.”
اتكأَ يَسْلم على جدارِ المعبدِ العتيق، وشاهدَ دخانَ البخورِ وهو يرتسمُ كخيوطِ القدرِ فوقَ رؤوسِ المنحنين، ثم أخرجَ ريشتَهُ وخطَّ هذهِ الكلماتِ التي تهزُّ أركانَ “صنم الطقوس”:
سِـرُّهـم: أنَّـهـم جَـمَّـدوا (الـحـقَّ) فـي الـقـالِـب، لـيـأمَـنوا تَـقَـلُّـبَ الـقَـلـب.. لـقـد عَـبَـدوا (الـوَقـارَ) خـوفـاً مِـن (الـمَـهـابَـة)، وظَـنُّـوا أنَّ حَـبـسَ الـرُّوحِ فـي قَـفَـصِ الآدابِ هـو ذروةُ الـتَّـنـزِيـه؛ فـضـاعَ مِـنـهـم (الـمَـعـبـود) بـيـنَ تَـقـاصـيـرِ الـعُـقُـود، وصـارَ (الـخـضـوعُ) لـلـنِّـظـامِ حِـجـابـاً عـن بـارئ الـنَّـسَـم.
قـد أبـصَـرتُ هُـنـا غُـربَـةً لـا تُـشـبـهُـها غُـربَـة؛ قـومٌ يَـخـشـونَ (الـخَـطـأَ) فـي حَـرَكَـةِ الـبَـدَنِ أكـثَـرَ مِـن خَـشـيَـتِـهـم لـلـزَّلَـلِ فـي الـتَّـوحِـيد.
خطؤهم الـدَّفـيـنُ أنَّـهـم صَـنَـعـوا (إلـهـاً) مِـن (انـضِـبـاط)، لـأنَّ الـتَّـجـرِيـدَ عـلـى أرواحِـهـم صَـعـبٌ ومَـخـوف.. فـاسـتَـعـاضـوا عَـن (حُـرِيَّـةِ الـسُّـجـود) بـ (قُـيـودِ الـسُّـجـود)، وذاكَ هـو الـشِّـركُ الـخَـفِـيُّ الـذي يَـلـبَـسُ لـبـاسَ الـفَـضـل.»
تَـجلّا الـواحِدِ فـي نِـظامِ سُـورِهم بأسـمائِهِ: (الـعَدل، والـمُقسِط، والـحكيم)؛ كَـنزٌ مـخفيٌّ تَـحتَ صَـرامةِ الـطقوس، يَـرنو لـمِيـلادِ الـبُـشرى الـمُـجـتـبـاة.
بـعدَ أن طَـوى يَـسْلمُ سِـجلَّ الـصينِ الـمُوشّى بـالـنظام، واعتزلَ ضـجيجَ الـمراسيمِ وأغـلالَ الآداب، امـتطى صَـهوةَ الـريحِ غـرباً نـحوَ “الـقارةِ الـسمراء”.
قطع الـفيافيَ حـتى غَـرقت قَـدماهُ فـي بـحارِ الـرّمالِ الـتائهة، حـيثُ (تـمبكتو) تـحرسُ بـواباتِ الـمجهول، وحـيثُ “الـرجلُ الأزرقُ” يَـعقدُ مـعَ الـصحراءِ عـهداً مـن الـصمتِ والـسر.
تـرجَّلَ الـسُّـمَيّي وسطَ “خَـلاءٍ” يـمتدُّ حـتى يـعانقَ الـسماء، لا يَـحدُّهُ سُـورٌ ولا يَـحبسهُ مِـيزان. لـم يَـرَ يَـسْلمُ هـنا مَـذابحَ خـشبيةً ولا نُـظماً صـارمة، بل رأى الـبشرَ كـأنهم (أطـيافٌ) تَـتحركُ فـي الـفراغ.
هـالهُ مـنظرُ الرجالِ مُـلثمين بـالـ (تِـغِـلمُـست)؛ لـثامٌ لا يـسقطُ حـتى فـي الـنوم، لا تـبدو مـنهُ إلا الـعينانِ الـقادحتانِ كـشُهبِ الـليل. ورأى عـلى صُـدورهم الـ (تـيروت)؛ تَـمائمَ وجُـلوداً مَـحشوةً بـالأسرار، تَـتدلى مـن رقابهم كـأنها حِـصنُهم الـوحيدُ ضـدَّ عـواصفِ “الـجنِّ” وأرواحِ الـقفر.
رأى الـخلقَ يَـرقصونَ حـولَ الـنارِ بـإيقاعِ (الـتـيندي) حـتى يَـسقطوا صَـرعى “الـحال”، ويـتمسحونَ بـرُجمِ الـحجارةِ الـتائهةِ فـي الـمتاه، يَـذبحونَ لـ “أهلِ الأرض” ويَـخطبونَ وُدَّ (الـخلاء)؛ لـقد جَـعلوا مـن الـخوفِ إلـهاً، ومـن (الـتميمةِ) سُـلطاناً، وجَـسّدوا عـظمةَ الـقادرِ فـي قُـوى الـطبيعةِ الخفيّة.
آلمَهُ أن يـرى الـرُّوحَ تَـعتصمُ بـخِرقةِ جَـلدٍ لـتنجو، وتَـرهبُ “الـخفيَّ” فـي الـجنِّ بـدلاً مـن “الـخفيِّ” فـي الـجلال.
تـقدَّمَ نـحوَ (المُرابط) مـن أهـلِ الـلثام، يـلفُّ وجهَهُ بـالـنيلةِ الـزرقاء، وسـألهُ بـصدقِ الـموحِّدِ الـمستبصر:
يـا سـاكناً فـي ظِـلِّ هـذا الـتيه، رأيتُ الـقومَ بـالـتمائمِ يَـحتمون، ولأرواحِ الـصحراءِ يَـرقصونَ ويَـخافون. أتـقبلونَ أن يَـصيرَ (الـحفيظُ) غُـرزةَ جِـلدٍ وتِـراد؟ أم أنَّ (الـقاهرَ) عـندكم صـارَ مَـرهوناً بـسُكانِ الـوهاد؟
نظر الـمُلثمُ ثـم أجـابَ بـصوتٍ كـعويلِ الـريحِ فـي الـكثبان:
خُـذ هـذهِ عـنّا يـا ابنَ الـعربِ حـقيقة، خَـلاؤنا مـجردُ مَـحرابٍ لـواحدٍ بـالـحقيقية؛ الـذي تـفردَ بـالـغيبِ وتـنزّهَ عـن الـظهورِ والـبقية.
مـا لـثامُنا إلا حِـجابٌ عـن الـردى، ومـا تـمائمُنا إلا مَـسيرةٌ لـلـهدى، أما ربُّـكَ وربُّـنا فتـنزّهَ عـن الـخوفِ والـمَدى.
نـحنُ (أهلُ الـغيبِ فـي الـخفا) فـي جـوهرِ الـشريعة، ذي الخضر اللدني وسيلتنا للغيب، نـبينا فـي وَجـدِنا (صـاحبَ الـلواء)؛ نـبيَّ الـقفرِ الـذي يَـجمعُ شـتاتَ الـروحِ الـصديعة.
وفـي حـضراتِـنا نَـدعو (الـرحمةَ الـمُهداة)؛ الـذي ملأُ هـذا الـخلاءَ بـنوره، وكسر تـمائمَ الـوهمِ بوجوده ، وحرر الـعقلَ مـن سَـطوةِ الـسِّرِّ لـيسجدَ لـلواحدِ فـي نـوره.
فـي أذواقِـنا هو (نـورُ الأتـم)، ومـا تـراءى لـكَ لـيسَ إلا صـورةَ خَـوفٍ أنـستِ الـقلوبَ حـقيقةَ الأمـنِ والأتـم.
هَـزَّ يَـسْلمُ رأسَـهُ مجيبا والـتفتَ لـلمُستغيثينَ بـالـخلاء؛ لـسلطةِ الـخوفِ نـاكبين، وأفـضى لـسره:
يـا أهـلَ الـلثام، قـد بَـحثتم عـن الـهيبةِ فـي الـخفاء، فـتعلقتْ أرواحُـكم بـصنمِ (الـغيب) وجَـعلتم الـتميمةَ حِـصناً مـن الـبلاء.
بـينما الـيقينُ الـحقيقيُّ جـاءَ فـي صـورةِ (مـحمد) لـلأكوان، فـعَلّمنا أنَّ الـخوفَ لا يَـكونُ إلا مـن الله، وأنَّ الـخفاءَ جَـلالٌ لا يُـصادُ بـالـتمائمِ ولا بـاسـتِرضاءِ الجآن، والعجيب من أمركم أن نبيكم هو محمد.
اتكأَ يَـسْلمُ عـلى طَـرفِ الـكثيبِ الـعظيم، وشـاهدَ ريـاحَ الـصحراءِ وهـي تـمحو أثـرَ الـخطى، ثـم أخـرجَ ريـشتَهُ وخَـطَّ هـذهِ الـكلماتِ الـتي تَـهزُّ أركـانَ أصـنامِ الـخوف:
جَـسَّـدوا (الـمَـخافَـة) فـي الـمَـجـهول، لـيَـفـِرُّوا مِـن مَـواجَـهَـةِ تزكية الـنفس.. لـقـد عَـبَـدوا (الـسِّـرَّ) خـوفـاً مِـن (الـجَـهـر)، وظَـنُّـوا أنَّ رَبـطَ الـرُّوحِ بـالـخُـيـوطِ والـجُـلـودِ هـو حَـبـلُ الـنَّـجـاة؛ فـضـاعَ مِـنـهـم الـأَمـانُ بـيـنَ تَـراتـيـلِ الـزار، وصـارَ الـتَّـعَـلُّـقُ بـ (أهـلِ الأرض) حِـجابـاً عـن رَبِّ الـسَّـمـاء.
«قـد أبـصَـرتُ هُـنـا غُـربَـةً لـا تُـشـبـهُـها غُـربَـة؛ قـومٌ يَـخـشـونَ (الـخَـفاء) فـي الـخلاءِ أكـثَـرَ مِـن خَـشـيَـتِـهـم لـلـقَـدرِ الـمَـحـتـوم. صَـنَـعـوا (إلـهـاً) مِـن (خَـوف)، لـأنَّ الـتَّـوَكُّـلَ عـلـى أرواحِـهـم ثَـقـيـلٌ مَـروم..
تَـجلّا الـواحِدِ فـي خَـلاءِ رَمـلِهم بأسـمائِهِ: (الـخَفِيّ، والـغَنِيّ، والـمُحيط)؛ كَـنزٌ مـخفيٌّ تَـحتَ تَـمائمِ الـخفاء،يَـسيلُ لـنورِ الـلـواءِ الـمُـصـطـفـى.
«لـقـد طُـفـتُ الـبـلادَ، فـرأيـتُ الـبـشرَ يـهـربـونَ مـن (الله) إلـى (أشـبـاهـه).
رأيـتُـهـم فـي يـزد يَـحـبـسـونَ الـنُّـورَ فـي نـار، وفـي الـهـنـد يَـطـلـبـونَ الـبـقـاءَ مـن حـجـرٍ يـنـهـار، وفـي الـعـراق يَـخـافـونَ الـنَّـجـاسـةَ ويـنـسـونَ طـهـارةَ الأذكـار، وفـي الـصـيـن سـجـنـوا الـرُّوحَ فـي سُـورِ الآدابِ والـجِـدار.
وهـنـا فـي مـالـي.. رأيـتُ أخـطـرَ مـا يُـصـيـبُ الـمُـوَحـد؛ رأيـتُ (الـخـوف) حـيـنَ يَـسـكُـنُ الـتَّـمـائـم، ويَـظُـنُّ الـعـبـدُ أنَّ لـلـغـيـبِ أربـابـاً غـيـرَ الـواحـدِ الـدائـم.
خُـلاصـة: إنَّ الـشِّـركَ لـيـسَ جَـهـلاً بـالـخـالِـق، بـل هـو (عَـجـزُ الـنَّـفـسِ) عـن مـواجهةِ جَـلالِـهِ دونَ وائـق.
فـالـذي يَـخـافُ الـخَـلاءَ لـم يَـعـرف (الـمُـحـيـط)، والـذي يَـرتـجـي الـتَّـمـيـمـةَ لـم يَـعـرِف (الـحـفـيـظ).
إنَّ الـتَّـوحـيـدَ لـيـسَ نَـبـذاً لـلأصـنـامِ الـمَـنـحـوتـةِ فَـحـسـب، بـل هـو (تَـحـطـيـمُ الأصـنـامِ الـمَـسـكـونـة) فـي رَوعِ الـمَـذعـور؛ فـاللهُ أكـبـرُ مـن نـارِ الـمَـجـوس، وأطـهـرُ مـن مـاءِ الـصـابـئـة، وأبـقـى مـن ذهـبِ بـوذا، وأحـكَـمُ مـن نِـظـامِ كـنـفـوشـيـوس، وآمَـنُ مـن لـثـامِ الـطـوارق.
«تَـجـلَّـى الـواحِـدُ لِـي فـي كُـلِّ أرضٍ بـمـا نَـقَـصَ عـنـدَ أهـلـهـا؛ فـكـانَ (الـسَّـلام) لـلـخـائـفـيـن، و(الـقـاهِـر) لـلـمُـتـجـبـريـن، و(الـحَـي) لـلـمُـتـعـلـقـيـنَ بـالـرُّفـات.
أيّامٌ قـلائـلُ مَـضت كـأنها نَـسيمُ فَـجرٍ بـارد، حـتى وَكَـزَ يَسْلمُ بـعصاهُ بـابَ جَـدِّهِ فـي أعـالي جـبالِ الـيمن. مـا إنْ فُـتحَ الـبـابُ حـتى انـهالَ عَـليهِ حُـبٌّ لا تَـسعهُ الـمفازات، ومَـددٌ مِـن دعـواتٍ كـانت تَـحرسهُ فـي جَـوفِ الـخلاء.
تَـحلقَ حولَهُ الأهلُ وجديه ، يَـضحكونَ بـمِلءِ قـلوبهم عـلى هَـيئتهِ الـتي غَـيَّرتها الـبلاد؛ لـثامٌ فـيهِ بـقايا زُرقةِ مـالي، وعـمامةٌ عَـلقَ بـها غُـبارُ الـصين، وفـوطةٌ شَـهدت مَـلوحةَ الـموجِ وهَـجيرَ الـهند. نَـظروا إلـى مَـرصدهِ الـذي صـارَ كـخريطةٍ لـلأرواح، والـكلُّ فـي شَـوقٍ لـهيفٍ يَـنتظرونَ مـا سَـيرويهِ فـتاهم الـعائدُ مـن مَـتاهاتِ الـخلقِ إلـى نُـورِ الـحق.
تـنحنحَ يَسْلمُ بـوقارٍ بَـللهُ الـحنين، وبَـسطَ مَـرصدهُ أمـامَ صَـدرِ الجالسين، وقـالَ بـصوتهِ الـرخيم:
”يـا أهـلي.. طُـفتُ الـبـلادَ فـرأيتُ خَـلائقَ تـعبدُ الـنظامَ، وأُخرى تَـسجدُ لـلأوهام، ورأيـتُ مَـن يَـحبسُ الـرُّوحَ فـي مـاءٍ أو نـار.
رأيـتُ الـبشرَ صَـنَعوا مـن (خَـوفِهم) أربـابـاً، ومـن (آدابـهِم) قُـيوداً.. ولـكني مـا ازددتُ فـي كُـلِّ خُـطوةٍ إلا يـقيناً أنَّ الـسماءَ لا تُـدركُ بـالـتمائم، وأنَّ الـحقَّ لا يُـحصرُ فـي الـطلاسم.
ثـمَّ مـالَ بـعروقِ يـديهِ الـتي كَـتبت، وعـلى بـياضِ الـورقِ الـأخير دَوَّن، بـمِدادِ الـيقينِ خـاتمةَ الـخواتيم، ومَـصَبَّ الـرحلةِ فـي نَـهرِ الـنور:
«وهـاءنا ذا تَـعلَّـمتُ فـي رِحـلتي هـذهِ (عِـلـمَ الـيَـقـيـن)، بـل هـو (عَـيـنُ الـيَـقـيـن) وبَـلـاغُ الـتَّـمـكـيـن: أنّ
لا اله الا الله محمد رسول الله
حـقـاً.. يـقـيـنـاً.. أمـراً أكـيـداً
لا إلـهَ إلا الله.. نَـفـيٌ لِـكـلِّ صَـنَـمٍ سَـكَـنَ الـرُّوحَ قَـبـلَ الـمَـعـبَـد، وإثـبـاتٌ لِـلـواحِـدِ الـذي لـا يَـغـيـبُ ولـا يُـجـسَّـد.
مُـحـمَّـدٌ رَسـولُ الله.. إبـطـالٌ لِـكـلِّ واسـطَـةٍ مِـن جِـنٍّ أو بَـشَـر، وتَـحـطـيـمٌ لِـأغـلـالِ الـطُّـقـوسِ وأوهـامِ الـحَـجَـر.
فـالـتَّـوحـيـدُ صَـرْخَـةُ حُـرٍّ تَـفَـلَّـتَ مِـن قَـبـضَـةِ الـخَـوف، واسـتَـراحَ فـي رِحـابِ (الـقَـدِيـر) مِـن غَـصَّـةِ الـطَّـوافِ حَـولَ الـذَّاتِ و الوسطاء .
مَقامُ المُنتهى: (مَبْلغُ الحِكاية)
«مـا مَـرصـدي هـذا إلا نـافـذةٌ تـُريـكـم أنَّ كُـلَّ طـريـقٍ لا يَـبـدأُ مـن (الله) انـتـهـى بـالـوَثَـن.. والـحـمـدُ لـلـهِ الـذي جَـعـلَ قـلـبَ الـمُـؤمـنِ هـو الـمَـرصـدَ الـأكـبَـر، والـيـقـيـنَ بـمـحـمـدٍ ﷺ هـو الـمَـلاذَ الأطـهَـر.»
ضَـجَّ الـمجلسُ بـالـتكبير، وانـهملت دُمـوعُ الـفرحِ عـلى لِـحى الجدين، فـقد عَـادَ “يَـسْلمُ” لا لـيـحكي عـن غَـرائبِ الـدنيا، بـل لـيُـعيدَ لـلنفوسِ هَـيبةَ (الـشهادة) بـعد أن طَـافَ بـها حـولَ عـجزِ الـعالَمين.
الـاكتبة صَـاد الهاشمي
١٤٤٧/١١/٢٤هـ
٢٠٢٦/٥/١٠م









