بطر في ظلال الأنبياء؛ حكاية الإنسان حين استغنى
الوعي بالله ← ثم التمكين الحضاري ← ثم الغفلة والاستغناء ← ثم البعث النبوي للتجديد والإنذار
بِاسم الله الرحمن الرَّحِيمِ
أُقدّم مقالتي هذه كرؤيةٍ تراكمية، رؤيةً أثقُ بملامحها، ولو تعمقتُ في البحثِ أكثر خلف خيوطها لخرجت برؤية جليةً لا غبار عليها..
سِرُّ النَّواة: والفِطرةُ التي لَم يَمْسَسْهَا عَرَاء
المهمُّ …
ومن منطلق الحقيقة المطلقة، فإن الإنسان مجبول على الحنيفية بالفطرة، أي موحد بوجود خالق مدبّر في نواة طينته الآدمية؛ فلا هي معرفة مستحدثة ولا كسباً عقلياً متأخراً، بل هي الفطرة البِكر التي جُبل عليها واشتركت معه كل ذرة في الكون.
وعن حركة الولادة الإنسانية بأصلها الحنيفي قال ﷺ : « كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء؟»
فهذا الحديث يورثنا - يقيناً - بأن الوليد لو رُمي في العراء وتُرِك وحيداً فشبّ ثم شاب، لكان على الحقيقة الوحيدة
موحداً لله بالطبيعة.
وإن كانت الفطرة وحدها كفيلة بزرع التوحيد في قلب مولود تُرِك في القفر، فكيف يكون حال من لم
يُترك في مهب العراء ابتداءً… بل خُلِق نبياً؟ رجل سوياً، مكلَّماً، معلَّماً، بل وجُعِل في رتبته النبوية والداً ومربياً للبشرية في أول ظهور لها على أرض الاستخلاف!
لتنبثق الإنسانية من مهدها الأوّل ممتلئةً بالمعرفة والعلوم النبوية الشرعية، لا ظلمات البدائية
نَجمٌ قَبلَ الأُفول: أُمَمٌ تَرقبُ مِيعادَ السَّماء
يُخيّل إليّ بل يورثني النظر المستبصر أن الأمم لم تكن تنكر مفهوم النبوة كبنية معرفية أو إمكانية عقلية، بل إنها تكاد تتصور طبيعة الشريعة المنزلة إليها، وتدرك بطبيعة الأمر تلك النقلات الشاملة الحضارية، والمعرفية، والأخلاقية، والعقائدية التي تدفعها النبوة في شرايين المجتمعات.
فما كانت النبوة بوصفها وحياً في الأرض جُزراً معزولة، ولا أحداثاً طارئة باغتت البشرية بلا مقدمات كما تجرّعنا في السرديات الشائعة.
لم يكن تنزل الوحي يوماً فعلاً عشوائياً يُربك وعي الأمم دون سابق إنذار، ولا استيقظت القرى مذهولةً على صيحة نبيٍّ لم يحسبوا له في وعيهم التاريخي معرفةً أو حساب.
الحقيقة التي نسيت خلف ركام المألوف هي أن الأقوام كانوا يستشرفون ساعة الميقات، بل وبعضهم يعيش في ترقّبٍ مستمر، مستندين إلى إرثٍ معرفي باذخ وبشارات متواترة تتدفق في شرايين أزمانهم.
تارةً يرقبون هذا الميعاد عبر علوم الفلك والنجوم التي أودع الأنبياء الأوائل أسرار مواقيتها، فالحضارات القديمة (كـ : البابلية، والمصرية، والمايا، والصينية) لم تكن تنظر للفلك كعلم فيزيائي جاف، بل كـ “لوحة مواقيت إلهية”.
وفي التراث البابلي والآشوري، وجد رصد دقيق جداً للمقترنات الفلكية فـكان لديهم عقيدة راسخة بأن القفزات الحضارية الكبرى أو ظهور “الملوك العظام/المصلحين” يتزامن مع علامات فلكية ، وتارةً يتلقفونه عبر البشارات التراكمية التي كان يسلّمها كل نبيّ للذي يليه ممهداً؛ فكانت النبوة تظهر في وعيهم كـ “مددٍ إلهي” مرصود، ونصرةٍ إلهية منتظرة تُصلح ما فسد من حركة الأرض بميعاد معلوم.
ففرعون وملؤه مثلا لم يكونوا جهلة بالنبوة والمعرفة بها ، بل كانوا على علم تام بإرث النبي يوسف عليه السلام وبشاراته المتواترة في الأرض بأن هناك نبياً ورسولاً من بني إسرائيل سيأتي ويهز أركان ملكـهم.
وهذا الهاجس المتخوف من المدد المرتقب هو الذي دفع فرعون لسنّ سياسة تتبع المواليد وقتل الصبيان لقطع الطريق على القادم الموعود.
وأشار القرآن إلى هذا الرعب الكامن في نفوسهم من تحقق البشارة المعروفة في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 6].
فكانوا يحذرون شيئاً يعلمون قرب زمانه ومؤشراته!
قوم مدين لم يفاجأوا ببعثة النبي شعيب، بل كانوا واعين بحركة النبوات في زمنهم، وكان النبي شعيب يذكرهم بنبيٍّ سبقه في ذات الحقبة الجغرافية والتاريخية تقريباً وهو النبي لوط : ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89].
قد كانوا يراقبون خط الوحي الساخن حولهم، ويعلمون أن النبوة تتنقل في زمانهم وقريباً من أرضهم، فلم يكن كلام النبي شعيب غريباً على أسماعهم ولا على وعيهم التاريخي مايثبت أن المجتمعات كانت تعيش تحت سماء تبرق بالوحي المتتابع.
كما أصل القران لقاعدة أن كل نبي يأتي مصدقاً ومبشراً وممهداً لمن يليه، وهو ميثاق غليظ أخذ الله عليه العهد: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]
وهذا الترقب يثبت أن الأمة الإنسانية كانت دائماً على صلة وثيقة بخيط الوحي؛ تترقب النجم إذا أفل، وتنتظر البشرى إذا أظل زمانها، لتستقبل النبوة كإمدادٍ واكتمال، لا كصدمةٍ وجهل.
أنينُ التُّراب: حِين تَغدو النُّبوةُ مَددًا مَطلوباً
ومن هذا الوعي الموروث، غدت النبوة عند بعضهم “مدداً مطلوباً”، فكلما أرهق أمةً عتو طغاة، أو كبّلها عجز مادي، او انحط أخلاق كبرائها، فزعت إلى الله تطلب النصرة ببعثة نبي يحلّ في تفاصيلها، ليقود حركة الخلاص، ويعيد ترميم الإنسان والعمران من جديد.
وباطن النص القرآني يكشف هذه السيكولوجية العميقة للأمم قبل البعثة لها؛ فحين يقول سبحانه: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، فإنه يعرّي عقلية كانت تشتكي غياب المنهج، وتستدعي مجيء الكتاب والنبوة لعلاج أزماتها؛ هرباً من الدونية التاريخية مقارنة بأمم خلت، أو طمعاً في تقويم واقع مائل، حتى إذا جاءها ذات المدد ، تبدّل حالها فانقلبت واستغنت، في أولى فصول حكاية الجحود البشري التي أعقبت فيض النعم.
وفي موضع آخر، يكشفُ القران أن المجتمعات كانت ترى في بعثة النبي لهم طوق النجاة الوحيد من عار المهانة والذل في الدنيا والآخرة : ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾
وتلك الاستغاثة هي عينه الانكسار الذي تلوج به ألسنة المستضعفين تحت وطأة القرى الظالمة حين يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾؛ فنداؤهم للولي والنصير أراه استدعاء صريح وواعٍ للمدد، المتمثل في القيادة الربانية، القادرة وحدها على انتشال الطين من ظلمات العجز إلى أنوار التمكين الباهر.
النَّقَلاتُ الكُبرى: هَندسةُ الأَرضِ بِأَعينِ الوَحْي
وحين يأذن الله لأمة بخير ويرسل إليها نبيها كقوة دافعة تُعيد تشكيل الواقع تتجلى لهم جميع النقلات :
نقلة عقائدية :
فبنو إسرائيل مثلا كانوا أمة مستضعفة مقهورة، يُذبح أبناؤهم وتُستحيا نساؤهم. فرعون فرض عليهم منظومة عبودية مادية مطلقة تمحورت حول ذاته حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ فعاشوا دونية تاريخية وتشتتاً عقائدياً تحت وطأة الهيمنة الفرعونية الركيكة.
استجاب الله لأنين المستضعفين فبعث إليهم نبيهم موسى بذاته نبيّاً ومنقذاً ومعه الآيات والبينات. فلم تكن النقلة مجرد عقيدة قلبية، بل كانت تكسيراً لأغلال العبودية المادية لفرعون، ونقلاً للأمة بأكملها إلى فضاء توحيد رب العالمين؛ حيث خرجوا من الذل إلى التمكين، وأورثهم الله الأرض من بعد عتو فرعون: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137].
نقلة أخلاقية :
كانت بلاد سدوم وعامرة محكومة بقوم عتاة طغاة، أما عتوهم فلم يكن عسكرياً فحسب، بل عتواً أخلاقياً شرساً ومستكبراً.
فقد أحدثوا في تاريخ البشرية انتكاسة أخلاقية بشعة لم تسبقهم إليها الأمم: ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾، فشرّعوا الشذوذ علانية، وقطعوا السبل، ونكسوا الفطرة، بل وكانوا يمارسون المنكر في نواديهم بقوة الجماعة العاتية
في هذا المناخ، كان المستضعفون وأصحاب الفطرة النقية يُضطهدون ويُهجّرون لمجرد طهارتهم: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
حتى أبـان المدد الإلهي ببعثة النبي لوط عليه السلام كقوة أخلاقية دافعة ومقاومة لواقع العتوّ الشاذ.
لم تكن نبوته مجرد وعظ عابر، بل كانت معركة قيمية ضارية لترميم جدار الأخلاق الإنسانية وحماية الفطرة من المسخ التام.
نقلة معرفية:
وبنو إسرائيل تحت وطأة ركود العبودية المعرفية والتسليم الأعمى للأساطير فرعون لم يستعبد أجسادهم فحسب، بل استخف عقولهم حتى تبلد فيهم منطق السؤال والبرهان، وعاشوا قروناً في بيئة سحرية تُقدس الطاغية وتخضع للخرافة والظن والوهم المادي.
حتى تَنزّل المدد الإلهي بكتاب النبي موسى وفرقانه، فلم يكن الوحي مجرد تشريع طقسي كما يعرف، بل جاء بـ “البصائر” الأولى التي تفتح مغاليق العقول وتُهشم عهد الخضوع المعرفي للطاغية، وجعله الله سبحانه: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فنقلتهم النبوة نقلة معرفية فارقة، من أمة ممحوة الوعي، مستسلمة لسطوة الساحر والكاهن، إلى أمة تملك لأول مرة في تاريخها فرقاناً مكتوباً، ومنهجاً نقدياً يزن الأشياء بالحق والبصيرة، ويستند إلى البرهان الساطع والعلم اليقيني في مواجهة غطرسة الجهل والعتوّ الفرعوني.
نقلة حضارية ومادية:
أما في شؤون الأرض وبنائها، فإن النبوة هي المُمكّن الأول للحضارة - يقينا - وصانعة الطفرات المادية التي لم يكن ليرتقي إليها العقل البشري بمفرده؛ ففي اللحظات التي واجهت فيها الأمم عقبات وجودية كبّلت بقاءها وحبستها في زوايا العجز المادي، فكان الكرم الإله يفيض علمه ليقود حركة العمران والتمكين.
فبأعين الوحي عُرِفت الهندسة البحرية والملاحة المحكمة مع النبي نوح عليه السلام لتنفتح للبشرية آفاق جديدة: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، ومن مشكاة نبوة يوسف أُديرت أعظم ثورة تخطيط اقتصادي وأمن غذائي حفظت دولاً بأكملها من الفنا: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾. ومع النبيين داود وسليمان حدث التمكين الحضاري الفاخر في ذروة تجليه؛ فلَان الحديد لداود كطفرة صناعية وعسكرية صاغت منظومة الدفاع والدروع: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، وسُيِّلت ثروات النحاس الصامتة لتبدأ مع سليمان معجزات معمارية وهندسية شاهقة: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾؛ لتبرهن النبوة على أنها لم تكن مجرد شرائع طقسية تنزع الإنسان من عمارة الأرض، بل تهبه مفاتيح السيادة الشاملة وتنقله من الهامش إلى قمة الصدارة الحضارية.
ولم تكن تلك النقلات لتتحقق على هامش المجتمعات، أو بجهود أفرادٍ منبوذين عاجزين؛ فالصورة الهزيلة التي تجرعناها عن أنبياءٍ عاشوا طريدي الوجاهة منذ يومهم الأول هي صورة تفتقر لعمق السنن التاريخية.
الأنبياء لم يكونوا أراذل قومهم، بل كانوا صفوتهم، وحكماءهم، وولاة أمرهم، وفي قلب الصدارة والسيادة مجداً ونسباً ورتبة؛ ومردّ ذلك أن رزق الله الأقوام بالطبيعة والتهيئة النفسية استقبال كلام النبيين والعمل به، والانقياد بأمرهم فطريا، فكان الأصل في الأقوام حب نبيهم، مستمعين إليه، طائعين مجيبين؛ فلم يكونوا جاهلين بأقدار أنبيائهم؛ بل كانوا يعظمونهم ويرجونهم في مجالسهم لرجاحة عقولهم وأمانتهم، كما أن النعمة الإلهية تقتضي منافذ القبول.
فيداً بيد كانوا يصيغون عهد العمران والتمكين، ويرفعون بنيان الرخاء الشامل ببركة علوم الله المنزلة والرحمات المتنزلة وهذا في بادئ العهد النبوي قبول قومه له اجمعين والطاعة له ولأمر الله.
مَآلانِ في الغَيب: حِكايةُ الأَثرِ بَعدَ رَحيلِ المُؤثِّر
وهنا، أقفُ لأمتاح من غيب التاريخ مآلينِ اثنين، يرسمانِ هندسة الجحود البشري عقب هذا الارتواء الطويل:
المآل الأول:
أن تستوي شجرةُ الرسالةِ على سوقِها، وتحقق النبوةُ غايتها في التمكين، فيحمل النبيُّ ذاته خارجاً من بين ظهرانَيهم، متوجهاً بقلبهِ إلى مكةَ —مركزِ الوجودِ الأول—رافعاً أكفّ الضراعةِ أن يحفظَ اللهُ على هذه الأمةِ آلاءَه، وأن يمتعَهم متاعاً حسناً إلى أجلٍ مسمى.
فيعيش القومُ في ظلالِ ذاك الدعاءِ النبويِّ برهةً من الدهر، يتفيؤونَ ظلال النعمةِ المورقة، حتى إذا تطاولَ عليهم الأمدُ، نسوا الرازقَ منعمِها، ودخلَ على توحيدِهم الخالصِ “شركُ الوصولِ والعتو بعد البلوغ”؛ إذ توهموا بعد بلوغِ ذروةِ التمكينِ أنهم صانعو مجدهم بذكائهم المحض، فبطروا وعتوا، ليعودَ إليهم ذاتُ نبيهم —لا غريباً ولا مستحدثاً—بل ناصحاً مائلاً، ومذكراً بالعهودِ الأولى، ومبشراً بنماء الشكرِ، ونذيراً من عواقبِ البطرِ والتخويف بهلاك من سلف ثم كلمة الله عليهم أن كانت هلاكا وزولا أو رحمة ومُقامـا.
المآل الثاني:
أو أن يُكمِلَ الرسولُ بلاغَه المشهودَ فيهم، ويشهدَ على كمالِ النعمةِ واستتبابِ الرخاء، ثم يحمدَ ربه على وضوحِ الحجةِ وفضلِ البلوغِ، فيموتَ وينتقلَ.
فما إن يواريه الترابُ، وتتقادمَ السنونُ بأجيالٍ ورثت النعمةَ حتى يطالَ النسيانُ وجهَ الإلهِ المعبودِ، ويتسللَ الشركُ الخفيُّ إلى وعيهم كأثرِ لرفاهية العيش؛ فيبعثُ اللهُ عليهم من بعدِ نبيّهم الأولِ بشراً آخرَ رسولاً، يوقظُ فيهم النواةَ الأولى، ويُحاججهم بذاتِ المنهجِ الذي تنكرت له عقولهم المستغنية.
فالنبي صالح عليه السلام وهو الشاهد الأتم على وراثة النعمة الجاهزة؛ إذ خلفت ثمودُ أمة عاد، وورثت علوم النحت والمصانع واستقرت فيهم الشريعة والتمكين دون أن يعيشوا مرارة الأزمة الأولى، فلما استغنت عقولهم واعتلوا السهول والجبال، بعث الله فيهم صالحاً كـ نبيّ جديد يذكرهم بهذا الإرث الذي تربعوا على عرشه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 74].
فما إن استقرَّ الرخاءُ وبلغت الحضارة حدَّ الامتلاء، حتى انقسمت أمتُه إلى فسطاطين: فسطاطٌ حافظ على أصل الشكر وحرس بركة النعمة بصلتها بالله (وهم الذين استُضعفوا لزهدِهم في كبرياء المادة)، وفسطاطٌ آخر دخله “شرك الوصول والعتوّ بعد البلوغ”، وبدأ يتفلسف ليتملص من كلفة التوحيد.
وعندما ضاقت بهذا الفسطاط الطاغي الحججُ أمام ثبات المؤمنين، أشهروا سلاح “الأنسنة والتقزيم” ضد نبيهم صالح؛ لا لأنه غريبٌ عليهم، بل لأنه الرجل الذي ألفوا مجالسته وشهدوا منافعه، فقالوا تعنتاً وفلسفةً: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾.
أرادوا إعادة النبي إلى المربع الطيني الصرف —أنت بشر تأكل وتشرب مثلنا— ليبرروا لأنفسهم الاستغناء بالمنتج الحضاري الذي يملكونه، ويقسموا المجتمع كبراً:﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾محاولين نزع الاستعلاء الغيبي للوحي عبر مساواته بطين البشر.
مايؤكد أن لغة مخاطبة الأقوام لأنبيائهم لم تكن لغة إستفهام بل لغة إستكبار
والمواجهات الشرسة المذكورة في القرآن (الجدال، الجحود، قولهم “إن أنت إلا بشر مثلنا” وأمثالها) لم تحدث والنبي غريب عنهم، بل حدثت بعد رحلة طويلة من الألفة، القبول، والاستفادة من أنواره الحضارية، ثم حدوث انتكاسة بشرية بسبب الرخاء والعتو. وعندما عادوا إليهم مصلحين ومذكرين بعد غياب أو بعد “تراخي” الأجيال، تحول حبهم إلى جحود استكباري
وهذا يفسر لماذا يركز القرآن دائماً على تذكيرهم بـ “آلاء الله” (النعَم التي هم غارقون فيها أصلاً بفضل هذا الإرث النبوي).
وَهمُ الاكتِفاء: المِعولُ الذي يَهدمُ حَبلَ الإتصـال
ما يظهر لنا في القرآن الحكيم في مواجهة الأنبياء لأقوامهم ليس إلا الخيط في نهايته؛ فالقرآن بالفعل لا يرينا الأقوام في لحظات ضعفهم المادي، أو جهلهم العمراني، أو طورهم التأسيسي، أو مكابدتهم علم اليقين، بل يرينا إياهم في ذروة القوة، والتمكين، والاكتفاء المادي والحضاري الذي صاغته ومهدته أنوار الله المنزلة والرخاء النبوي السابق.
اللحظة التي تصل فيها الحضارة إلى حد الامتلاء، وهنا تحديداً “تتعرى النفوس”، فيكشف لنا القرآن الحكيم عن أمرين:
الأول: إذ اقتنصُ القرآنُ تلك اللحظةَ التاريخيةَ الفاصلةَ لأنها تمثلُ “ذروةَ نجاحِ الشريعةِ السابقةِ” وبرهانَها الماديَّ القائمَ في الأرضِ؛ فالوفرةُ والبركةُ، والصروحُ، والنظامُ الاقتصاديُّ الراسخُ الذي يعيشُهُ هؤلاءِ القومُ - بمن فيهم المؤمنونَ الوارثونَ - ليس إلا ثمرةً مباركةً لصدقِ نبيهم الأولِ ويقين منهجِهِ الذي أثمرَ تمكيناً حقيقياً.
يرينا هذا الامتلاءَ ليوثقَ كيف أن النبوةَ ليست مجردَ زهدٍ وعبادةٍ في المحاريبِ، بل هي مصنعُ النقلاتِ الشاملةِ لعمارة الأرض والحياةِ الكريمةِ لقاطنيها، وأنَّ أيَّ حضارةٍ كانت قائمةً لم تزلْ تسيرُ بأنوارِ المعرفةِ النبويةِ الأولى؛ فلا تقم حضارة أمة بتعدد آلهةٍ، أو قوانينَ بشريةٍ لا تزن، إذ أثبتتْ لنا حركةُ التاريخِ عبر الزمانِ أن الشرائعَ الوضعيةَ كأغصانِ التفاحِ - لا تستقيمُ على حالٍ بل تميلُ يمنةً وشمال - وأنَّ النواميسَ الإلهيةَ والوحيَ المستقرَّ هما المُمكِّنُ الحقيقيُّ والوحيدُ لأيِّ حضارةٍ لا زالت قائمةً، وما سواها مستسلمٌ للانهيارِ أو انهار.
والثاني: في طبيعة البيان الإلهي؛ فالقرآن الحكيم لا يروي لنا قصصاً غابرة لحضارات بادت لغرض التأريخ الجاف، بل يفكك طبقات ومقامات النفس البشرية في كل زمان ومكان، ويكشف رادعها الأصيل حين تضل؛ حيثُ يرينا كيف يتحول الإنسان - أيّ إنسان - إلى كائن مصمت ومتعجرف بمجرد أن تحيط به الوفرة الجاهزة.
وعندها، يكون الرد الحاسم على هذه النفس الطاغية الإستغناء عن الله فاستحقت الهلاك: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7].
والطغيانَ هنا ليس وليدَ القوةِ بذاتِها، بل وليدُ “رؤيةِ الاستغناءِ”؛ تلك اللحظة الحرجة التي تعمى فيها البصيرةُ عن رؤيةِ الحبلِ الممتدِّ بين النعمةِ ومصدرِها الإلهيِّ؛ فيتحولَ التمكينُ في وعيهم الجمعي من “مِنحةٍ تُشكر” إلى “حقٍ يُملك”.
وهنا تبدأَ سلسلة المواجهات القرآنيةُ الفاصلة، لا لتنزعَ عنهم نعمَهم أولَ الأمرِ، بل لتهزَّ فيهم كبرَ الاستغناءِ، وتُعرّي هذا الوهم الحضاري الطارئَ قبل أن يحلَّ القضاءُ الأخيرُ زوالاً و عذاب أو رحمةً وبقاء.
٥\١\١٤٤٨هـ
٢٠٢٦/٦/٢١م



ما شاء الله، مقال مفيد ومثري وجعلني انظر لقصص الأنبياء من منظور آخر بعيد عن الذي اعتدنا عليه
أكثر من رائعة، تسلسل السرد ممتع واختيار المفردات مُذهل !
الله يبارك لك فيما رزقك وينفع بك🤍