الغائب الحاضر : فيضُ اليقين وأسرار التدوين
هذا المقال يتناول علمًا من علوم القرآن (الناسخ والمنسوخ)، وهو معروف عند أهل الاختصاص، وليس تشكيكًا في المصحف.⛔️
في عتمة غرفتي الظليلة، لم يكسر رتابة ليلي سوى ذاك الضوء الخافت المنبعث، من شاشة لوحي، حيث تتزاحم نصوص محاضراتي الأكاديمية في سباقٍ أخير نحو النهاية. كنتُ أظنّي أراجع مواداً مألوفة ومتقنة، حتى باغَتَني سطرٌ عابر، خطف ذهني إليه ليتوقف عنده تدفّق الوقت تماماً.
نبأٌ منسيّ يخرج من عمق التاريخ: ثمة سورٌ كاملة وآياتٌ جمّة كانت حقيقةً واقعة، رتّلتها الشفاه الغَضّة في فجر الشريعة المحمدية، وارتجّت بها محاريب المدينة زمناً، لكنها لا تُوجد في مصحفنا اليوم!!
هنا تلاشت الرتابة فجأة، وانحسرت هموم المذاكرة والسهر الطويل أمام جلال هذا الذهول الذي هبط كالصاعقة؛ فكيف لوعيٍ نشأ على حقيقة “الحفظ المطلق” بين الدفتين أن يتلقى خبر “الغياب” دون أن يهتز؟ اعتصرني ارتباكٌ حاد، ودارت في عقلي التساؤلات العاصفة: أين ذهبت تلك الآيات التي تلمّستها أيدي الصحابة؟ وكيف غابت سُورٌ، واختفت آيات، ولم يدونها كتّاب الوحي في المصحف الإمام؟!
لم يكن ارتباكي ارتياباً، بل كان محاولةً للفهم، وجوعاً مباغتاً لمعرفة فلسفة هذا الفقد الظاهري. طويتُ كتب الجامعة جانباً، ووجدتُني أنساق كالمأخوذة وراء خيط هذا “الغائب الحاضر”، أغوص في بطون المراجع لأتبين كيف أدار الوحيُ ذاكرة الأمة.
وكان هذا التقصي هو أول الطمأنينة؛ إذ قادني إلى رحلةٍ مذهلة تُثبت أن غياب اللفظ هو جزءٌ من ذات الرسالة لا نقصٌ فيها أو تحريف، وأن المحو هنا هو عين البناء.. وذاك هو حقيقة الحفظ، ومرآة اليقين، التي تجلت في قوله الحق سبحانه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
هكذا بدأت التفتيش عن الميزان الذي عقده الجهابذة لضبط هذا العبور النوراني، فكان الوقوف أولاً على حقيقة اللفظين:
الناسخ: النصّ الشرعيّ المتأخر في النزول الذي جاء مواكباً لتمكين الشريعة وتغيّر أحوال العباد؛ ليرفع حكماً سابقاً أو يبدله بما هو أيسر وأقرب لمصلحة الأمة.
المنسوخ: النصّ الشرعيّ المتقدّم، الذي أدى غرضه الحكيم في فجر الدعوة، وحان وقت رفعه وانتهاء العمل به بوجوبٍ من الوحي مثل : إباحة التخيير بين صيام رمضان والفدية.`{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ...} (البقرة: 184) ثم نُسِخ هذا التخيير بوجوب الصيام في قوله `{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}` (البقرة: 185). فنسخ “التخيير”.
ولأن مراد الله لا يُستنبط بالهوى، أجمع الأئمة على كلمةٍ صارمة: «لا يجوز لأحدٍ أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ»؛ وهو ذات المبدأ الذي جهر به علي بن أبي طالب في روع المسجد حين مرّ على قاصٍّ (واعظ يعظ الناس)، فسأله : “أتعرف الناسخ من المنسوخ؟” قال الواعظ: لا. فقال له علي بلهجة حازمة: «هلكتَ وأهلكتْ».
ولأن هذا المبحث يمسّ جوهر النص الشرعي ومآلاته، خطّ فيه خلائق لا يحصون؛ عمالقةٌ من رِعيل أبي عبيد القاسم بن سلام، وصولاً إلى جلال الدين السيوطي الذي خلّد في (إتقانه الذي أُقرؤكم منه بحثي ) فلسفة الغياب والحضور.
والنسخ في فقهه ليس تراجعاً أو ‘بَداءً’ كما توهّم اليهود و المنكرون -تعالى الله عن كل نقص- بل هو إعلانٌ إلهي لانتهاء مدة حكمٍ وبداية آخر، تماماً كالإماتة بعد الإحياء، والفقر بعد الغنى؛ تدرجٌ سياديّ يقع في دائرة الأمر والنهي لا في [الأخبار والغيبيات] فهي لا تبدل مثل : (قصص الأنبياء، الوعد والوعيد، صفات الله، الغيبيات) فلا يدخلها النسخ أبداً؛ لأن نسخ الخبر يعني تكذيب أحد الخبرين، وهو مستحيل في حق الله تعالى.
وقد تنوعت تجليات هذا العلم - علم النسخ - ؛ فجاء القرآن تارةً ناسخاً لنفسه {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}). ، وتارةً منسوخاً بالسُّنّة النبوية لأن السنة وحيٌ أيضا من عند الله ({وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}). لتتكامل خيوط الوحي في أربع أوجه.
- بمعنى الإزالة: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ}، أي يُذهب ويبطل كيد الشيطان.
- بمعنى التبديل: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ}.
- بمعنى التحويل: مثل “تناسخ المواريث” أي تحويل الميراث من حال إلى حال ومن شخص لآخر.
- بمعنى النقل من موضع إلى موضع: مثل “نسختُ الكتاب” إذا نقلتَ ما فيه مع بقاء الأصل.
(ويشير إلى أن العالم “مكّي بن أبي طالب” أنكر هذا الوجه الأخير في القرآن؛ لأن الناسخ لا يأتي بلفظ المنسوخ نفسه بل بلفظ آخر).
وقول آخرُ للإمام الشافعي (رأي الشافعي): حيث وقع نسخ القرآن بالسنة، فإن الله يضع مع السنة قرآناً يعاضدها، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن، يضع الله مع القرآن سنة تعاضدها؛ ليتبين دائماً التوافق التام بين الكتاب والسنة.
وبناءً على هذا الإيقاع، غطى النسخ خريطة المصحف، فتوزعت سوره المائة والأربع عشرة بين أربعة أقسام كبرى: سورٌ محكمة سلمت من النسخ [ (43 سورة، الفاتحة، يوسف، يس، الحجرات، الرحمن، الحديد، الصف، الجمعة، التحريم، الملك، الحاقة، نوح، الجن، المرسلات، عمّ، النازعات، الانفطار.. وجميع السور من “الفجر” إلى آخر المصحف (إلا سورتي التين والعصر حيث رُوي فيهما كلام].
وسورٌ جمعت بين الناسخ والمنسوخ [ 25 سورة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الأحزاب ، الحج، النور، الفرقان، الشعراء، الطور، الواقعة، المجادلة، المزمل، المدثر، الكوثر، والعصر].
وأخرى انصبت في قالب النَّسخ فقط أو المنسوخ فقط [ “الناسخ” فقط 6 سور، الفتح، الحشر، الممتحنة، المنافقون، التغابن، والطلاق (وقيل الأعلى].
سور فيها [”المنسوخ” فقط (40 سورة، وهي بقية سور القرآن الأربعين، وتحتوي على آيات غُيّرت أحكامها أو تلاوتها بسور أو آيات أخرى].
لكنّ هذا التوزيع العريض، ورغم ثرائه الأصولي، يظل عتبةً تقودنا إلى مكمن الذهول الأكبر.. إلى ذلك الصنف الذي غاب جسده اللفظي تماماً عن أسطر المصحف...
«نسخ التلاوة دُونَ الحُكْم»
ويعبّر عنه الإمام السيوطي في كتابه (الإتقان) بـ «الضرب الثالث: ما نُسخ تلاوته دون حكمه».
وعلى هذا القسم مدار حديثنا؛ إذ رُفعت هذه الآيات من قِبل الوحي نفسه في حياة النبي ﷺ وبأمره، فلم تُكتب في المصحف الإمام عند التدوين تيسيراً وتعبداً.
ويتساءل السيوطي في “إتقانه” وأنا معه في هذه الجدلية: إذا كان الحكم باقياً ومستمراً في حياة الأمة، فما الحكمة في رفع اللفظ وبقاء العمل؟
ولماذا غاب النور المكتوب وبقي أثره في المحاكم والمصائر؟
وتلك لعمري غاية الحكمة وذروة الفلسفة الربانية، تتجلى في ركيزتين:
أولاهما: الابتلاء الصارم، واختبار التسليم و الانصياع التام للبيان النبوي؛ فالامتثال لنصٍّ تتردد أصداؤه في المحاريب وتتلوه الشفاه صباح مساء هو أمرٌ يسير على النفس.
لكن المحك الحقيقي والمقصد الأسمى -كما ينقل السيوطي عن صاحب الفنون- هو «أن يظهر مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن»؛ أي أن يرفع الله “جسد الآية” من أسطر القرآن، ويبقي “حكمها” معمولاً به في السُنّة والأثر (كحدّ الرجم وعقوبة الزنا للمحصن)، ليقيس طاعة الأمة في غياب اللفظ: هل يمتثلون وينصاعون لحكمٍ لم يعد له نصٌّ يتلى في المصحف بل ثبت بالسنة والأثر ؟ أم يُنفى العمل به ويُهجر بحجة عدم حفظ السنة النبوية؟!.
اختبار التسليم الأعمق، تماماً كما سارع الخليل إبراهيم عليه السلام لذبح ابنه بناءً على رؤية منامٍ وهي أدنى طرق الوحي.
وثانيهما: التخفيف المبطّن والرحمة بظلال الستر؛ كي لا يتسع حجم القرآن المكتوب والمطلوب حفظه على الأمة إلى الفٍ و الفِ صفحة من جهة، ومن جهة أخرى لرفع المشقة النفسية؛ حيث ينقل السيوطي نكتةً حسنة عن الحافظ ابن حجر مفادها: أن هذا الضرب من النسخ إنما وقع في أغلظ الحدود الشرعية وأشدها، فكان في رفع اللفظ القرآني وإسقاط تلاوته إشارة لطيفة إلى ندب الستر، وتخفيفاً للثقل المهيب الذي يمكن أن يورثه بقاء النص المكتوب على الأمة، وفي ذلك عين النعمة والرحمة.
ومن أمثلة سورٍ وآيات توارت بنسخِ وبقيت بحكمِ
< القسم الأول… المنسوخ تلاوة لا من القرآن المستقر … وهي الأدلة التي بلغت أعلى درجات الصحة والثبوت في الصحاح ، و أجمع الأصوليون على ثبوتها التاريخيّ واللفظي كقرآن أُنزل ثم نسخت تلاوته بأمر إلهي في حياته صل عليه وسلم
“⛔️بعض هذه الأمثلة من نسخ التلاوة والحكم معاً، ولكني أوردتها هنا لأنها من النوع الذي غاب لفظه عن المصحف الإمام، وهو الشاهد على أن غياب اللفظ سنة إلهية ثابتة.⛔️”
- سورةٌ شبيهة بسورة براءة (التوبة) في الطول والشدة
جاء في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه جمع قُرّاء البصرة، فقال لهم: إنّا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني قد حفظت منها: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ».
⛔️ نسخت تلاوة وحكما لكنها ثابته من حيث النسخ⛔️
- سورة شبيهة بإحدى “المسبّحات”
في نفس الحديث السابق في صحيح مسلم، ذكر أبو موسى الأشعري سورة أخرى قائلاً:
وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيتها، غير أني حفظت منها: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
⛔️ نسخت تلاوة وحكما لكنها ثابته من حيث النسخ⛔️
- آية “الرجم” (وكانت جزءاً من سورة نُسخت تلاوتها)
من أشهر ما نُسخت تلاوته وبقي حكمه العملي، ما ذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر في الحديث المتفق عليه:
إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها. وفي روايات أخرى ، ذكر لفظها الذي كان يقرأ: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
- آية “رضعات التحريم”
تروي عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم التدرج الذي حدث في هذا الحكم وكيف نُسخت التلاوة:كان فيما أنزل من القرآن: «عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ»، ثم نسخن بـ «خَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ»، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (أي توفي والناس قريبو عهد بنسخ تلاوتها حتى استقر الإجماع على عدم كتابتها في المصحف).
- آية “شهداء بئر معونة”
في قصة القُرّاء الذين قُتلوا غدراً في “بئر معونة”، أنزل الله فيهم قرآناً قرأه الصحابة فترة ثم نُسخ، واللفظ كما في صحيح البخاري عن أنس بن مالك: نزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: «أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا».
- آية “الرغبة عن الآباء” (كفر النعمة أو التبرؤ)
وهذه الآية ثبتت في الصحيحين (البخاري ومسلم) من خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قال: “كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله”:
«أَنْ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ» (أو: إن كفراً بكم أن تبتغوا عن آبائكم).
وكان مقصودها التحذير الشديد من انتساب الشخص لغير أبيه تبرؤاً منه.
- آية “لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب” (برواية أُبيّ بن كعب)
في المرة الأولى ذكرنا رواية أبي موسى الأشعري، لكن الصحابي أُبيّ بن كعب (وهو سيد القُرّاء) ذكر لفظاً آخراً لنفس السياق الذي نُسخ، فقال إن رسول الله ﷺ قال له: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ عليه: “لم يكن الذين كفروا...”، وكان فيها:
«لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ فَأُعْطِيَهُ، لَسَأَلَ ثَانِيًا، وَإِنْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ، لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ الْقَيِّمَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ غَيْرَ الْمُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ».
< القسم الثاني… ماكان محل خلاف بين العلماء بين كونه قرآنا رفع أو قراءات تفسيرية واجتهادية في بعض مصاحف الصحابة قبل العرضة الأخيرة
- سورتا “الحَفْد والخلع” (دعاء القنوت المشهور)
هذا المثال من أعجب الأمثلة؛ فقد كان الصحابة (مثل أبيّ بن كعب وابن عباس وابن مسعود) يكتبون في مصاحفهم الشخصية قبل “المصحف الإمام العثماني” سورتين قصيرتين نُسخت تلاوتهما كقرآن، وبقي لفظهما يدعى به في قنوت الوتر والفجر حتى يومنا هذا.
سورة الخلع: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ».
سورة الحَفْد: «اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ».
- زيادة في سورة العصر (قراءة ابن مسعود المنسوخة)
كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يروي مقطعاً نُسخ من سورة العصر، وكان اللفظ الذي سُمِع في فترة من الفترات:
«وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * وَإِنَّهُ فِيهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...».
جملة “وإنه فيه إلى آخر الدهر” رُفعت تلاوتها واستقرت السورة على ما هي عليه الآن.
- آية “الصلاة الوسطى” (التحديد قبل النسخ)
تروي السيدة عائشة وجماعة من الصحابة أنهم حين كلفوا كتّاب المصاحف بكتابة آية الصلاة، قالوا: اكتبوها كما سمعناها من رسول الله ﷺ قبل أن يُنسخ لفظها التوضيحي، فكانت تقرأ:
«حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [وَصَلَاةِ الْعَصْرِ] وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ».
فكلمة “وصلاة العصر” كانت نصاً قرآنياً يتلى يحدد ما هي الصلاة الوسطى، ثم نُسخت تلاوتها وبقيت الآية بدونهما، واستمر الحكم مستنبطاً من السنة.
< القسم الثالث… ماورد في بعض الأثار والأقل ثبوتا من حيث الأسانيد وهي آثارٌ ساقها الأصوليون كالسيوطي استئناساً، نُقِلت عن بطون المسانيد المتقدمة (كأبي عبيد والطبراني)، ولم تبلغ درجة التواتر أو الصحة المطلقة، وإنما تُذكر تتبعاً للتاريخ التشريعيّ.
- آية “الجهاد ولين القول لولاة الأمر”
جاء عن المستورد بن شداد (وفي روايات أخرى عن الصحابي أبي واقد الليثي) أن رسول الله ﷺ قال: إن الله قال لي: اسمع وأطع، فقلتُ: يا رب، ماذا أقول؟ قال: قل:
«اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَقُولُ بِالْحَقِّ، وَأَعْمَلُ بِالْحَقِّ، وَأَمُوتُ عَلَى الْحَقِّ».
ثم أُنزِل عليه كتابٌ من القرآن رُفع بعد ذلك، وكان مما يُقرأ فيه:
«إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ، وَلَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ نَخْلٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَانِيًا...» (وفي بعض الروايات أن هذا المقطع كان جزءاً من السور الطوال التي رُفعت).
- آية “جهاد آخر الزمان”
رُوي في الآثار المعجمية للطبراني وغيره عن بعض الصحابة أنهم كانوا يقرأون آية حُذفت تلاوتها تماماً تقول:
«جَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ».
- ما نُسخ من سورة الأحزاب (أكبر النماذج)
من أكثر الحقائق إثارة في هذا الباب ما رُوي عن حذيفة بن اليمان وعن عائشة رضي الله عنهما أن سورة الأحزاب كانت سورة طويلة جداً تُقارب سورة البقرة في الطول!
يقول أُبيّ بن كعب: “كم تقرؤون سورة الأحزاب؟” قالوا: بضعاً وسبعين آية. قال: “قط! لقد رأيتها وإنها لتُعادل سورة البقرة أو أكثر”.
هذا التدرج والنسخ لم يكن عبثاً، فبعض الآيات كانت تنزل لمناسبة مؤقتة أو لاختبار طاعة الصحابة (هل يمتثلون للحكم بمجرد سماعه؟)، فإذا تحقق الغرض من الاختبار، رفع الله اللفظ خِفّةً على الأمة ورحمةً بها، لكي لا يتسع الكتاب التشريعي إلى آلاف الصفحات، بل يظل مركزاً، بليغاً، ومحفوظاً في صدور الأجيال دقيقُ.
وكما قال ابن الحصار بعبارة حاسمة سطرها السيوطي في إتقانه: «كل ما نسخه الله من القرآن... فقد أبدله بما علمناه، وتواتر إلينا لفظه ومعناه».
وهكذا ينغلق القوس.. غاب اللفظُ رحمةً، وحضر الحكمُ طاعةً، لتظل الشريعة كاملةً لا نقص فيها ولا تراجع، وذاك هو عينُ الحفظ وعينُ اليقين في ممر الوحي العظيم.
والآن، يرتدّ الطرفُ عن أوراق التاريخ وهو حسيرٌ أمام جلال هذا الناموس، لتنجلي الحقيقةُ كاملةً غير منقوصة: إن علم الناسخ والمنسوخ
ليس ترفاً ذهنياً، ولا تأويلاً عابراً أنتجته مصادفات العصور، بل علمٌ حقيقيّ، صارمٌ، محكومٌ بقوانينَ أصولية لا تُداهَن، وبموازينَ نقدية بلغت ذروة الدقة والبيان.
علمٌ نهضت على حراسته جحافلٌ من فحول الأمة وعلمائها الثقات، الذين نذروا أعمارهم لتتبع مرافئ الوحي، وغربلة الآثار بوعيٍ قاضٍ وبصيرة باحث؛ فكانوا الحصن الحصين الذي ذاد عن حمى الشريعة.
فـلا يتسلل الشك إلى نفوسٍ أبصرت تتابع هذا النور في تآليف عمالقة لم يغفلوا عن حرف بدءاً من فجر التدوين مع قتادة بن دعامة السدوسي، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والإمام الشافعي في رسالته، مراداً بأبي داود السجستاني، وأبي جعفر النحاس في بيانه العظيم، والحافظ ابن حزم الأندلسي بصرامته المعهودة، ومكي بن أبي طالب القيسي، وأبي بكر بن العربي، وصولاً إلى ابن الجوزي، وجلال الدين السيوطي الذي أودع في (إتقانه) أسرار هذا العبور، والحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح بيانه... خلائق لا يُحصون من جهابذة الأثر وكبار المفسرين، الذين أجمعوا بكلمةٍ حاسمة على أن النسخ هو تجلٍ سياديّ من تجليات التدرج التشريعي والرحمة الربانية بالعباد.
وإنا إذ نغلق دفتي هذا المبحث، لا نغلقهما على شبهة نقصان، بل على فيضٍ غامر من اليقين المبارك؛ فالقرآن العظيم لم يغب منه حرفٌ أُريد له البقاء، ولم ينقص منه سطرٌ كُتِب له الخلود.
قد كُمِّل هذا الدين، وخُتِم الكتاب، واستقرّ المصحف الإمام بين أيدينا اليوم غضاً طرياً كما أُنزِل، محروساً بعين المشيئة الإلهية التي تكفلت بحفظه من فوق سبع سماوات وتحت سبع أراضين حين قال جل جلاله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
شاهدُ على تمام النعمة واكتمال الرسالة؛ غاب من ألفاظه القديمة ما غاب لحكمة الابتلاء والتخفيف، واستقر فيه ما استقر ليكون حجة الله الباقية على الأرض إلى قيام الساعة.
فلا تبديل لكلمات الله، ولا تحريف يطال سياجه المنيع.. وذاك هو الغياب الذي يورث الحضور، وذاك هو عينُ الحفظ، وذروة اليقين.
١٤٤٧/١٢/٨هـ
٢٠٢٦/٥/٢٥م
الكتابة صَـاد الهاشمي


