ألقيتُ بجسدي على مضجعـي عند مِيقات العهدِ من السّهيل، وقد هدَّني الإعياءُ حتى استحال جسدي هباءً، تلفحَني نارُ الفراغ بسمومِها رغم كدّي الذي لا ينقطع.. خمدتِ السُّرجُ حولي، وهجعتِ الأنفسُ في داري، فلم يبقَ إلا سكونٌ تقرعُ جراسه جدرانَ لُبّي.
كان شِقّي الأيمنُ مآبي الأبرد، فأنختُ إليه ركابي، فما لبثَ أن استعرَ جحيماً، فاعتزلتُه إلى ميْسرتي خليلاً، فاستشاطَ الآخرُ لهيبا.. وبكلِّ هدوء البسيطة، استلقيتُ على ظهري، لترتطم مُقلةُ عيني بسقفِ غرفتي ارتطامَ الفَجيعة؛ أدركتُ أن الضيفَ النَّكِد قد حل بساحتي: الأرق.
ذاك الذي آذن بصمتِ الوعيدِ أن كلَّ نأمةٍ ستسكُن الليلة.. إلا رأسي الموقّر!
رِعتُ للأمرِ، وأقررتُ بالمنكر، وما بالُ هذا العقلِ لا يكادُ يفقهُ حديثًـا؟ طفقَ يتحدث ويذرعُ الفكرَ خبطَ عشواء، حتى استنفرتْ كلُّ جوارحي.
ما انقضى من ليلتي شطرُ ساعةٍ حتى انهدّ كياني؛ فغدا كلُّ شيءٍ فيّ يتردّى في هاويةٍ... إلا عقلي.. في مِدْارجِ الجنون يتسامى.
أخذني الدُّوار، وغارتِ العيونُ في محاجرِها غَورَ الآبارِ، وقبضتُ على ناصيتي أستجلبُ الأنفاس، وجلستُ..
لأفاوضَه فِصالَ حبيب..
قلتُ له: لا تَسكن إن شئت، ولكن أسرِج خيالك في عشقِ الليالي، في مَحاسنِ المعاني، في طولِ السباتِ؛ لا في صعاب الحوادث، ولا مدلهماتِ الأماني.
وكالشريدِ الذي أفلتَ من وَتَدِه، لم يلتفت.
يئستُ، فأرسلتُ خُصلاتي، وارتميتُ رميةَ الحجرِ في قعرِ غارٍ على فراشي، وأسبلتُ جفني لأشرعَ في الهرب خارجَ ذاتي.. كحلّا ثاني.
إلى حِياضِ التاريخِ الأولِ رحلتُ؛ أتسائل عن تفاحةِ آدم التي لم تزل تلوكُها أعناقُ الرجالِ؛ إلى غوابرِ حضاراتِ ما قبلَ الطوفانِ، إلى أجناسِ الملائكة إلى جَبابرةٍ شادوا عروشَهم فوق ثلاثةِ وأربعين ألفَ عامِ، إلى ضجيجِ البشريةِ وهي تضرعُ لله أن يُمد في آجالِها خمسةَ قرونٍ، بعد إذ كفروا بآلاءِ المدادِ.
إلى أيِّ عهدٍ غابر.. المهمُّ أن أغتربَ عن ذاتي وعصري.
وهدأ العزيـزُ الرّجيـم... أخيراً، وانجلتْ عني صرعةُ الصُّداع.. وهذه التي أُشهدكم عليها: سكينةُ الذل؛ فليالي السُّهادِ ما كانت يوماً إلا ذليلة..
سكنتُ،
وما نمتُ.
تمطّى الوقتُ وئيداً كليلا.. حتى هجمَ عليَّ انتصافُ الليل، فأوقدتُ شاشةَ هاتفي وأرويت بالأسفِ من جديدِ زِنادَ ناري.
ولا أخفيكم يا معشرَ الناسِ، أنّي قد أعدتُ معهُ كرّةَ النزالِ، وراوغتُ صمودَه مراوغةَ مَن عزَّتْ عليه الحيلة، حتى استدرجتُ الهدوءَ قسراً، وانفلقَ من بين تلافيفِ ضيقي.. نَفَس.
وعندَ الثالثةِ فجراً، استعرتِ المَحارقُ نِكالاً؛ أفكارٌ من كلِّ حَدبٍ تَنْسَلُّ، وصروحٌ مَشيدةٌ من تحتِها أوديةً من حِمم:
نارُ الهزائم.. تعقبها
نارُ العواقب.. تعقبها
نارُ النواتج.. تعقبها
نيرانُ النَّفسِ!
يا أهلَ الوِدّ، إنّي لَأُنكرُ ذاتي في هاذمُ المقامِ.. من أيِّ بحرٍ سحيق يحتطبُ عقلي هذه المآقي؛ والتي لا عهدَ لي بها، لينصبَها خندقًا، ثم يحاصرني؟!
سكتَ عني الرَّوعُ أخيراً.. جعلتُ من بين يديَّ وسادةً ومن خلفي وسادة، وحاصرتُ السوادَ بظلامِ الغرفة، ولستُ أدري كيف غشيني سَكِينُ الآنـامِ.. فغفوت كأني لم أكن أنا.
الكـاتبة | صَـاد الهاشمي 📜⚖️.
١٤٤٧/١٠/١٩هـ
٢٠٢٦/٥/٧م




لم أكُن ذاتَ يومٍ كمَن يُجيدُ التَعبيرَ عَن هذامِ رَأيه و لا عمَّا يَدورُ في خلدِ رَأسِهِ ثُمَّ إني لَستُ مِمَّن يَنسِجون مِن خُيُوطِ فَصَاحةِ الشِعرِ و بَلاغَةِ النَّثرِ ما يُدرِكُونَ به قَارِعةَ مَدَائنِ الثَّقافَةِ و عِمرانَ البَلاغَة
و لا أخالُ بأني بَالغةٌ ذَلِكَ المسعَى حذُواً
إلا انني التَمستُ في مشارقِ خِلجانِ كَلماتِ صَاحِبةِ المقالِ الرفيعِ ما هُو أهلٌ للتَّصفيقِ
ففيهِ من اللَّفظِ ما تَسمو بهِ النُفوس و مِن النَّظمِ ما تُؤخَذُ مِنهُ العقولُ و مِن الرِّقةِ ما تُكسَبُ بهِ القلوبُ فتِلكَ ألفاظٌ آخَّاذةٌ رَنَّانةُ الطَّبِعِ بالغةُ المَصفَحِ شَديدَة الطرَاوةِ إن أدري أكانَ لِصَديقنا
الأعشى حقٌ في حُسنِ المَقالِ ام كان فقط يَرمِينا
بالسهامِ ؟
ها قَد أحكمتُ قَبضَتي على ناصيَتي أنا الأُخرى و أنا أتوارى بَين أزِّقة الكَلماتِ و مَنَاحيَ الأحرُفِ و مَعابِرَ الشَغَفِ و بَين طَيَّاتِ الصُحُفِ في مُحَاوَلةٍ بَائِسةٍ مِني لأصنعَ مِن كَلامي مَعقَلاً يَفقَهُ بهِ النَّاسُ الكرامُ و يُدرِكُوا ِما للسانِ الأديبة من اتزانِ
مِن مَذهَبٍ مُستَحسَن في اللفظِ نُطقُهُ و بَديعٌ في
الوصفِ سَجعُهُ كأنَّه البَحرُ في سُكُونِه و المَرجانُ في لَونِهِ
و أن أُنشِدَ منه مَعبَراً لأنثُرَ على سُطُورِ الوَرَقِ جَميلَ ما ألفَيتُهُ قَائِماً على إتِّساقِ الوَزنِ و القافيةِ.
فكلمةُ الإبداعِ مَعقودةٌ باسمكِ أينَما حَللتِ
ِعسى أن يَحِلَّ بِيَ يومٌ من الدَّهر أراكِ و قَد طَابَ لك ِحُلُو المَنامِ بعد عُسرِ السُّهادِ تاركةً عناءَ التَعَبِ و الشِدَاد
يوماً أتُوقُ فيهِ لِسَماعِ وَقعِ تلكَ الكلماتِ الرَنانةِ في ذِهني إبانَ تُقرَعُ مَحَّلَ غياهبِ الرَعيدِ أجرَاسُ الربيعِ الرغيدِ .
كتابة رائعة ، افضل تعبير قرأته